رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تقرير باستيت: هل يتحول الخطاب النووي الروسي إلى واقع أم يظل فزاعة خطابية؟

أرشيفية
أرشيفية

مع استمرار الانقسام الأوروبي حول قبول خطة ترامب لوقف الحرب الروسية الأوكرانية، وما يرتبط بذلك من تعطيل للتوصل إلى حل نهائي للصراع، نشر الإعلامي الأمريكي الشهير "تاكر كارلسون" خلال الأيام القليلة الماضية مقابلته مع السياسي الروسي "سيرجي كاراجانوف"، الذي يُوصف بأنه "العقل المدبر" للرئيس الروسي "فلاديمير بوتين".

 

تناول اللقاء عدة محاور، شملت الشروط الروسية لوقف الحرب في أوكرانيا، وإعادة تشكيل تحالفات بلاده. لكن المحور الأبرز كان الحديث عن "الردع النووي الروسي"، حيث طرح "كاراجانوف" مفهوم "الضربة الاستباقية"، موضحًا أن روسيا ينبغي عليها خفض عتبة استخدام السلاح النووي في عقيدتها النووية، كما أنها تحتاج إلى توجيه ضربات نووية محدودة للقوى الأوروبية الداعمة لأوكرانيا.

 

تهدف هذه الضربات -من منظوره- إلى استرجاع الخوف الأوروبي من السلاح النووي الروسي، الذي فقد -برأيه- قدرته على الترهيب منذ انتهاء حقبة الحرب الباردة.

 

لاقت هذه التصريحات صدى واسعًا في وسائل الإعلام الأوروبية، التي وصفتها بأنها "رسائل رعب"، وأكدت أن أوروبا تواجه "حقيقة قاسية" تتمثل في أن حربًا عالمية قد تصبح احتمالًا واقعيًا أكثر من ذي قبل. ولا تُعد هذه التلميحات الروسية جديدة، بل هي مستمرة منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية. وفي هذا الإطار، يدور التساؤل حول مدى جدية روسيا في استخدام سلاحها النووي ضد الأوروبيين.

 

ما أهمية تصريحات "كاراجانوف"؟

 

يُعد "سيرجي كاراجانوف" أكثر من مجرد أكاديمي أو سياسي؛ حيث يمكن وصفه بأنه "البوصلة الفكرية" التي ترسم مسار السياسة الخارجية الروسية، والجسر الرابط بين الفكر الفلسفي والقرار السياسي داخل الكرملين. إذ يُنظر إليه كمهندس لمفهوم "أوراسيا الكبرى" الذي أخرج روسيا من العباءة الغربية نحو تحالفات الشرق. لذلك، لاقت تصريحاته الأخيرة مع "تاكر كارلسون" صدى واسعًا داخل الأوساط الإعلامية والسياسية في أوروبا.

 

استخدم كاراجانوف خلال اللقاء لغة متشددة تجاه أوروبا، معتبرًا أن مهمة روسيا الحالية هي "إعادة أوروبا إلى صوابها"، حيث إن القوى الأوروبية لم تعد تولي الاهتمام الكافي للقوة النووية الروسية. وفي هذا الإطار، ينبغي على روسيا -وفقًا له- توجيه ضربات نووية محدودة لدول مثل "ألمانيا" و "بريطانيا" إذا استمرت في دعمها لأوكرانيا.

 

وأضاف أن الضربة الأولى ستكون غالبًا على الأراضي الألمانية، واصفًا هذه الضربات بأنها "مهمة إنسانية في الأساس"، تهدف إلى منع وقوع حرب عالمية جديدة، حيث إن "أوروبا" -من منظوره- تهدف إلى إطالة أمد الحرب عبر عرقلة صفقة السلام.

 

وشدد "كاراجانوف" في حواره على ضرورة أن يقتنع الغرب بأن "روسيا" مستعدة فعليًا لاستخدام السلاح النووي، وأن الأمر لم يعد يقتصر على رد الفعل تجاه هجوم وجودي فحسب، بل أصبح "ضربة استباقية" لمنع هزيمة استراتيجية لروسيا في أوكرانيا. ويرى أن النهج الأوروبي الحالي يؤدي إلى مواجهة مباشرة مع "حلف شمال الأطلسي"، وحينها لن تتردد موسكو في استخدام قوتها القصوى. (1)

 

يتعلق الحديث هنا بضربات تستخدم قنابل نووية تكتيكية، تكفي لتدمير أماكن تمركزات جيش العدو، لكنها غير قادرة على محو مدن كاملة على غرار القنابل النووية الإستراتيجية. وبناءً على ذلك، يمكن القول إن تصريحات كاراجانوف في مقابلته لم تكن مجرد وجهة نظر شخصية، بل تُعد مؤشرًا على تزايد الحديث عن الخطاب النووي في السياسة الخارجية الروسية، ما يثير تحذيرات من تصاعد التوترات بين روسيا والغرب، ويعيد طرح احتمال نشوب حرب نووية، رغم أن وقوعها الفعلي لا يزال موضع نقاش.

 

العقيدة النووية الروسية مؤشر لتوازن القوى مع الغرب

 

نشرت "روسيا" أول وثيقة تُبرز عقيدتها النووية عام 1993، وألمحت فيها إلى إمكانية استخدام السلاح النووي حال تعرضها لهجوم لا تستطيع صده. كان هذا يُعد خفضًا ملحوظًا للعتبة النووية، حيث تراجعت روسيا عن مبدأ "عدم المبادرة" الذي أعلنه الزعيم السوفيتي السابق "ليونيد بريجنيف" أمام الأمم المتحدة عام 1982، وجاء ذلك تعويضًا عن التدهور الملحوظ الذي أصاب القوات العسكرية الروسية التقليدية قبيل انهيار الاتحاد السوفيتي.

 

وفي عام 2000، نتيجة لحربها في "الشيشان" وتوسع "الناتو" شرقًا، قامت موسكو بتعديل عقيدتها النووية، وأشارت إلى إمكانية استخدام السلاح النووي حال تعرضها لأحداث حرجة للأمن القومي. أضفت هذه الصيغة الملتبسة قدرًا كبيرًا من الغموض على الأمر.

 

بدءًا من عام 2010، ومع استرجاع روسيا لنفوذها في محيطها، قامت برفع العتبة النووية. فجاءت التعديلات في عامي 2010 و2014 متضمنةً استخدام السلاح النووي حال التعرض لتهديد وجودي. (2)

 

واستمر النهج الروسي في إجراء التعديلات عام 2020، لكنها هذه المرة أوضحت العقيدة النووية الأساسيات في وثيقة منفصلة، حيث صاغت أربعة سيناريوهات: التعرض لهجوم بصواريخ باليستية، أو الهجوم على مراكز القيادة النووية، أو التعرض لهجوم بأسلحة دمار شامل، أو شن هجوم تقليدي يهدد وجود الدولة.

 

أما العقيدة النووية الحالية، التي صيغت عام 2024 نتيجة السماح لأوكرانيا باستخدام الأسلحة الأمريكية لضرب العمق الروسي، فقد قامت موسكو بإدخال تعديلات مفصلة تتعلق بـ"كييف"، منها الرد النووي حال التعرض لهجوم من دولة غير نووية مدعومة من دولة نووية، فضلًا عن الرد النووي في حالة التعرض لهجمات مكثفة بالطائرات المسيرة.

 

يُعد هذا التعديل أكبر خفض للعتبة النووية الروسية، حيث انتقلت عقيدة موسكو من استخدام السلاح النووي في حالة التهديد الوجودي إلى حالات تهدد سيادة الدولة. (3)

 

يتضح من خلال ما سبق أن "العقيدة النووية الروسية" تعكس في الأساس موازين القوى بينها وبين خصومها الغربيين. فهذه الورقة تستخدمها موسكو لإجبار أعدائها على التراجع، وتجنب الدخول في مواجهة مباشرة.

 

وفي هذا السياق، لا يُستبعد أن تستعين روسيا بهذه الورقة مجددًا خلال الفترة المقبلة، لا سيما في حال عدم وصول مفاوضات إنهاء الحرب إلى نتائج مرضية لها، واستمرار الدعم الأوروبي، فضلًا عن قيام أوروبا حاليًا بإعادة التسليح لمواجهة الخطر الروسي.

 

كذلك، قد تكون تصريحات كاراجانوف الراديكالية "بالون اختبار"، يهدف إلى تهيئة الرأي العام الدولي لتعديل مقبل للعتبة النووية الروسية، بحيث يقبل المجتمع الدولي بتعديلات أقل تطرفًا من تلك التي عبر عنها كاراجانوف.

 

الخطاب النووي في السياسة الروسية

 

منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير 2022، تصاعد الخطاب النووي من جانب القادة الروس، على لسان الرئيس "فلاديمير بوتين" والنخبة السياسية. فلم يعد الحديث عن السلاح النووي مجرد عنصر في وثيقة استراتيجية، بل أصبح جزءًا نشطًا من الخطاب السياسي الروسي، يُستخدم في سياقات الردع وتوجيه الرسائل إلى الغرب، وأحيانًا إلى الجمهور الروسي في الداخل.

 

ويلاحظ ازدياد حدة الخطاب النووي الروسي خلال الفترات التي تتعرض فيها القوات الروسية لانتكاسات ميدانية. هنا يمكن القول إن موسكو توظف الخطاب النووي كجزء من استراتيجية إدارة التصعيد. فعلى سبيل المثال، عندما ترددت أنباء عن احتمالية التدخل المباشر من قبل الناتو في الحرب مطلع عام 2024، صرح بوتين في 29 فبراير 2024: "إن أي محاولة لإرسال قوات من حلف الناتو إلى أوكرانيا قد تؤدي إلى صراع نووي"، محذرًا الغرب من العواقب الخطيرة لمثل هذا التدخل.

 

وأضاف بوتين: "إن روسيا تمتلك أسلحة يمكنها ضرب أهداف على أراضي خصومها، في حال أقدمت دول غربية على إرسال قوات إلى الأراضي الأوكرانية"، مؤكدًا أن ذلك قد يسهم في نشوب صراع باستخدام الأسلحة النووية وتدمير الحضارة، إذا لم يتفهم الغرب الموقف.

 

كما حذر وزير الخارجية الروسي "سيرجي لافروف" الدول الغربية، في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2024، "من محاولة القتال حتى النصر مع قوة نووية"، واصفًا ذلك بأنه مغامرة انتحارية، وأكد أن روسيا تمتلك ترسانة نووية تضمن أمنها حال تعرض سيادتها لتهديد خطير.

 

أما "ديميتري ميدفيدف"، نائب رئيس مجلس الأمن القومي الروسي، والذي يُعتبر أكثر الأصوات تطرفًا داخل الكرملين، فقد صرح على حسابه على منصة "تليجرام" في 13 يناير 2023: "إن هزيمة قوة نووية في حرب تقليدية قد تؤدي إلى اندلاع حرب نووية، فالقوى النووية لا تخسر أبدًا في صراعات كبرى يتوقف عليها مصيرها".

 

جاء هذا التصريح قبل اجتماع "رامشتاين" في ألمانيا، حيث كان الحلفاء الغربيون يناقشون إرسال دبابات وأسلحة ثقيلة لأوكرانيا، فأراد ميدفيديف إيصال رسالة مفادها أن محاولة هزيمة روسيا عسكريًا ستكون كارثة عالمية.

 

المسارات الاستشرافية للصراع في ظل تعثر الدبلوماسية و"راديكالية" الردع

 

مع الانقسام الأوروبي حول خطة "ترامب للسلام" المطروحة في ديسمبر الماضي، لا يبدو أننا مقبلون على تسوية تنهي الحرب التي دخلت عامها الرابع. ويبرز السلاح النووي الروسي كمتغير حاسم في رسم المسارات المقبلة، والتي يمكن استشرافها وفقًا لما يلي:

 

1- سيناريو الانفجار الاستراتيجي: تطبيق عقيدة كاراجانوف

مع تعثر المفاوضات، يمكن أن تلجأ موسكو لتطبيق مقترح كاراجانوف، وشن هجمات نووية تكتيكية محدودة في العمق الأوروبي، بهدف فرض "سلام الرعب"، وإنهاء حالة الانقسام الأوروبي حول صفقة السلام عن طريق كسر الإرادة الأوروبية.

 

من المنظور الروسي، قد تكون تكلفة استخدام سلاح نووي محدود أقل من تكلفة استنزاف طويل الأمد قد ينتهي بهزيمة استراتيجية، ما يجعل "الضربة الاستباقية" خيارًا عقلانيًا بالنسبة لهم.

 

2- سيناريو تجميد الصراع بالقوة

في حال استمرار تعثر المفاوضات حول إنهاء الحرب، يمكن لروسيا اللجوء إلى دمج خطة ترامب للسلام بالعقيدة النووية الروسية لعام 2024، بحيث تعلن موسكو وقف إطلاق النار من طرف واحد على الخطوط الحالية، مع التهديد بأن أي محاولة أوكرانية -مدعومة من أوروبا- لاسترداد الأراضي، ستواجه برد نووي وفقًا لبند تهديد السيادة. يحول هذا السيناريو المناطق المتنازع عليها إلى مناطق مشمولة بالمظلة النووية الروسية، ما يضع أوروبا أمام خيارين: إما تجميد الصراع، أو المجازفة بالدخول في حرب نووية.

 

3- سيناريو الردع الخطابي المستمر

يفترض هذا المسار استمرار الفشل الدبلوماسي مع بقاء المواجهة في إطارها التقليدي، حيث تستخدم روسيا تصريحات كاراجانوف وميدفيديف كـ"بالونات اختبار" دائمة للضغط على الموقف الأوروبي المترنح.

 

في هذا السيناريو، تظل خطة ترامب معلقة، وتستمر روسيا في خفض العتبة النووية ورقياً وتشريعياً، دون صدام فعلي، مع الرهان على أن عامل الوقت والضغط النووي النفسي سيؤديان في النهاية إلى توحيد الموقف الأوروبي بشأن القبول بخطة ترامب لوقف الحرب.

 

ختامًا

 

تثبت التحولات العميقة في العقيدة النووية الروسية، وصولًا إلى تعديلات 2024، أن موسكو انتقلت من الردع الدفاعي إلى الردع النشط، كأداة لفرض الإرادة السياسية.

 

ومع تعثر المسارات الدبلوماسية وظهور خطة ترامب للسلام التي أحدثت انقسامًا أوروبيًا حادًا، برز الخطاب النووي الراديكالي الذي يمثله "كاراجانوف" كوسيلة أساسية لكسر الجمود الاستراتيجي.

 

بناءً على المعطيات السابقة، ترجح الدراسة "سيناريو الردع الخطابي"، حيث ستواصل روسيا توظيف "الرعب النووي" كأداة ضغط نفسي، لإنهاك وحدة الصف الأوروبي، وتفكيك تحالفات الخصوم، دون الانزلاق الفعلي نحو صدام كارثي لا يمكن التنبؤ بعواقبه.

 

إن الحقيقة القاسية التي يواجهها النظام الدولي اليوم، هي أن السلاح النووي صار وسيلة مفاوضات، يُسعى من خلاله لانتزاع تنازلات ميدانية تحت تهديد الكارثة. ويظل استقرار الأمن العالمي رهينًا بقدرة الأطراف على إدارة هذا التصعيد الخطابي، قبل أن يتحول إلى واقع ميداني لا يمكن الرجوع عنه.

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء