رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

في لحظة فارقة من عمر الصراع، أعلن الجيش الإسرائيلي العثور على رفات الرهينة الأخير، "ران غويلي"، ليتنفس الوسطاء الصعداء بإغلاق ملف الرهائن الأحياء والجثامين، الذي طالما استنزف جولات التفاوض.


الإعلان الإسرائيلي أنهى رسميًا المرحلة الأولى من اتفاق شرم الشيخ للسلام الموقّع في أكتوبر الماضي، وفتح الباب عمليًا للانتقال إلى المرحلة الثانية غير أن هذا الانتقال لا يعني تهدئة مستدامة بقدر ما يؤذن ببداية صراع سياسي أشد تعقيدًا حول هوية غزة المستقبلية، وشكل السلطة التي ستدير القطاع بعد الحرب.


هذا الإغلاق لملف الرهائن لم يكن مجرد نهاية لملف إنساني، بل أصبح صافرة البداية لصراع سياسي من نوع آخر حول هوية غزة المستقبلية، وشكل الإدارة التي ستنهض من بين الركام.

ومع طي صفحة الرهائن، تتوجه الأنظار إلى اتفاق شرم الشيخ للسلام في مرحلته الثانية التي لا تقتصر على تثبيت وقف إطلاق النار، بل تتجاوز ذلك إلى وضع الأسس السياسية والأمنية لغزة ما بعد الحرب، الرهان الأساسي يتمحور حول قدرة الأطراف على الانتقال من منطق إدارة الأزمة إلى منطق تفكيك أسبابها: انسحاب إسرائيلي كامل، نزع تدريجي للسلاح، وإطلاق عملية إعادة إعمار شاملة.

 

غير أن هذه المرحلة تصطدم بجدار من الشكوك والذرائع، فإسرائيل، رغم الضغوط المصرية والأمريكية، ما زالت تلوّح بشروط أمنية قد تتحول إلى أدوات تعطيل، أبرزها الإصرار على السيطرة الأمنية على محور فيلادلفيا والاحتفاظ بحق تنفيذ عمليات عسكرية استباقية واستهداف عناصر حماس داخل القطاع، هذه الشروط، إن استمرّت، تهدد بتحويل المرحلة الثانية إلى مجرد تمديد هشّ للتهدئة، لا إلى مسار انسحاب حقيقي وتسوية دائمة.

وفي قلب هذه المرحلة، يبرز معبر رفح بوصفه اختبار السيادة الأوضح، فبعد جهود مصرية مكثفة وضغوط من واشنطن، بات فتح المعبر في الاتجاهين أمرًا لا مفر منه خلال أيام قليلة، السؤال الجوهري لا يتعلق بالبوابات، بل بالسيادة، أي بمن يرفع العلم؟ فتح المعبر ليس إجراءً لوجستيًا بل إعلان سياسي عن الجهة التي ستمسك بمفاتيح غزة. فبينما يطالب الجانب الفلسطيني بإدارة مدنية وطنية خالصة، تصرّ إسرائيل على ضمانات أمنية مشددة، ما يجعل المعبر ساحة صراع رمزي على الشرعية، وتزداد أهمية هذا الملف مع اقتراب بدء تدفق أموال إعادة الإعمار، ودخول المساعدات الإنسانية بالقدر الكافي.

ومع كل الدعم الداخلي والخارجي للجنة الكوادر الوطنية الفلسطينية التي شُكّلت برئاسة الدكتور علي شعث، والتي تمثل محاولة لتقديم نموذج إدارة مدنية غير فصائلية للقطاع، إلا أنها تواجه تحديات مزدوجة:


داخليًا: تظل قدرتها على بسط نفوذ فعلي في ظل استمرار وجود سلاح الفصائل وسيطرتها الفعلية على الأرض، أمرًا بالغ الصعوبة.


خارجيًا: تظل مسألة إقناع المجتمع الدولي بأن المساعدات ستدار بشفافية، بعيدًا عن أي توظيف عسكري أو فصائلي، أمرًا يتطلب جهودًا مضنية.

 

وتظل قضية نزع سلاح حماس القضية الأشد حساسية، فبينما تطرح واشنطن مقاربة تقوم على العفو المشروط والدمج السياسي، تطرح الحركة بدائل أخرى وتربطها بضرورة الانسحاب الإسرائيلي الكامل من القطاع. وبين هذين الموقفين، تتحرك تفاهمات غير معلنة من مصر لسد الفجوات وتقريب المسافات لم تصل بعد إلى درجة النضج.

وارتباطًا بالمرحلة الثانية، وعلى هامش منتدى دافوس الأخير، تم تدشين مجلس السلام الدولي كمظلة دولية مقترحة لإدارة المرحلة الانتقالية في غزة، بدعم شخصيات نافذة وبتنسيق مباشر مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، المجلس يسعى للإشراف على التمويل، وتوجيه قوات الاستقرار الدولية، وضمان عدم انهيار الترتيبات الأمنية، ورغم كل ما يمكن أن يقال عن دور هذا المجلس إلا أن مصر رحبت وانضمت؛ لتكون مشاركة في صنع السياسات الخاصة بالقطاع ولا تفاجأ بترتيبات لا تتماشى مع الرؤية المصرية.

 

ما أريد قوله هنا أن العثور على جثمان الرهينة الأخير أسقط من يد الحكومة الإسرائيلية ورقة الرهائن، لكنه في المقابل وضعها أمام استحقاق الانسحاب الذي يهرب منه اليمين المتطرف، غزة اليوم تقف عند مفترق طرق حاسم: إما الدخول في مسار إعادة إعمار مشروط بتسوية سياسية معقولة، أو الانزلاق من جديد إلى دورة صراع لا نهاية لها.

نجاح المرحلة الثانية من اتفاق شرم الشيخ لم يعد اختيارًا، بل ضرورة إقليمية، ففشلها لا يعني انهيار غزة وحدها، بل فتح الباب أمام انفجار إقليمي واسع، لن يكون أحد بمنأى عن ارتداداته.

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء