رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

قطط إسطنبول.. حكاية مدينة تبنّت الكائن النظيف وصنعت منه أيقونات سياحية

قطط إسطنبول
قطط إسطنبول

لا يتجول زائر إسطنبول في شوارعها دون أن يلفت انتباهه الحضور الطاغي للقطط في كل زاوية تقريبًا، على الأرصفة، فوق نوافذ المقاهي، داخل المتاجر، وحتى في باحات المساجد، تظهر قطط إسطنبول كجزء أصيل من المشهد اليومي للمدينة، في ظاهرة ثقافية فريدة تجاوزت فكرة الحيوانات الأليفة لتتحول إلى رمز سياحي وإنساني يعكس روح إسطنبول المتسامحة.

 

يصف البعض هذه الكائنات  بـ«سفراء المدينة الصامتين»، لكن لم تصل إلى هذه المكانة مصادفة، بل نتيجة تاريخ طويل من التعايش، جعل من القطط عنصرًا من عناصر الهوية البصرية والحضارية لتركيا.

جذور تاريخية تعود لقرون

 

العلاقة الخاصة بين إسطنبول والقطط تعود إلى العصور التي كانت فيها المدينة، المعروفة آنذاك باسم القسطنطينية، واحدة من أهم الموانئ التجارية في العالم.

 

 كانت السفن التجارية القادمة من آسيا وأوروبا وأفريقيا تصطحب القطط على متنها لحماية المؤن ومخازن الحبوب من القوارض.

 

لعبت هذه القطط في المدينة، دورًا حيويًا في الحفاظ على الصحة العامة ومنع انتشار الأمراض، ما جعل السكان ينظرون إليها باعتبارها كائنات نافعة تستحق الرعاية لا الإبعاد، ومع مرور الوقت، تحولت القطط من «حراس صامتين» إلى جيران دائمين يحظون بالقبول والحماية.

 تقاليد ثقافية ودينية داعمة

 

القطط تحظى بمكانة خاصة في الثقافة التركية، حيث يُنظر إليها ككائنات نظيفة ومستقلة، وفي العديد من الأحياء، يُسمح لها بالدخول إلى المنازل والمتاجر وحتى المساجد دون اعتراض، في مشهد يعكس احترامًا متجذرًا للحيوانات.

 

أيضاً ساهمت التقاليد الدينية في تعزيز هذه النظرة، إذ ارتبطت القطط في الذاكرة الشعبية بالرحمة والرفق، ما انعكس على أسلوب التعامل معها في الحياة اليومية.

 

رعاية مجتمعية تتجاوز الرسمية

إسطنبول تتميز عن غيرها من المدن الكبرى هو نموذج الرعاية الجماعية لقطط الشوارع، فالبلدية توفر محطات طعام ومياه منتشرة في الأحياء، إضافة إلى بيوت خشبية صغيرة تحميها من البرد والأمطار.

 

يحصل العديد من القطط إلى جانب ذاك على رعاية بيطرية مجانية تشمل التطعيم والتعقيم والعلاج، ولا يقتصر الأمر على الجهات الرسمية، إذ يشارك السكان بشكل تطوعي في إطعام القطط والاعتناء بها، ما خلق علاقة يومية حميمة بين الإنسان والحيوان.

 

«تومبيلي»… من قطة شارع إلى أسطورة

 

يعتبر من أشهر قصص قطط إسطنبول، حكاية القطة «تومبيلي» التي أصبحت رمزًا عالميًا بعد انتشار صورتها وهي تجلس بوضعية اتكاء ساخرة على رصيف أحد شوارع حي كاديكوي، حصدت الصورة ملايين المشاهدات، وجعلت من القطة نجمة غير متوقعة.

 

وبمجرد وفاة «تومبيلي» عام 2016، بادر سكان الحي إلى تخليد ذكراها بتمثال برونزي أقيم في المكان نفسه الذي التُقطت فيه الصورة، واليوم، يُعد التمثال مزارًا سياحيًا شهيرًا، يقصده الزوار لالتقاط الصور وترك الطعام للقطط التي تتجمع حوله باستمرار.

 

متحف يحتفي بعشق القطط

 

 يبرز متحف القطط لمحبي الفن والحيوانات، في شارع «سردار أكرم» كوجهة فريدة من نوعها. يضم المتحف أعمالًا فنية متنوعة من لوحات ومنحوتات مستوحاة من عالم القطط، إلى جانب مساحات تفاعلية تتيح للزوار التفاعل مع قطط تعيش داخل المتحف نفسه.

والدخول مجاني، مع إمكانية التبرع أو شراء تذكارات يعود ريعها لدعم حيوانات الشوارع، ما يمنح الزيارة بُعدًا إنسانيًا إضافيًا.

 

 أكثر من مجرد ظاهرة سياحية

قطط إسطنبول تجسد نموذجًا استثنائيًا للتعايش بين الإنسان والبيئة في المدن الحديثة، فهي ليست مجرد حيوانات تعيش في الشوارع، بل جزء من قصة مدينة قررت أن تحتضن كائناتها الضعيفة وتحوّلها إلى رمز عالمي للرحمة والتسامح.

 

الذهاب إلى هذه المعالم تمنح السائح فرصة لاكتشاف إسطنبول من زاوية مختلفة، زاوية تُحكى بمواء القطط وخطواتها الهادئة بين الأزقة العتيقة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء