«رواتب لا تكفي أسبوعًا»… نيران الأجور تلتهم السودانيون أسرع من بنادق الحرب
في ظل الحرب المستمرة منذ أكثر من عامين، تحولت سياسات الأجور في السودان إلى مؤشر واضح على هشاشة الوضع الاقتصادي وقدرة الدولة المحدودة على إدارة مواردها، فالنقاش الدائر حول زيادة الرواتب لم يعد مجرد مطلب معيشي، بل يعكس أزمة أعمق لاقتصاد يعمل في ظروف استثنائية، تتراجع فيه الإيرادات وتتسع الفجوات الاجتماعية، بينما تتآكل القوة الشرائية بوتيرة متسارعة.
زيادات مؤجلة وضغوط متصاعدة
تشير تقديرات رسمية إلى أن إقرار زيادات فورية وشاملة في الأجور بات أمرًا بالغ الصعوبة في ظل استمرار النزاع. فالحكومة تجد نفسها أمام معادلة معقدة تجمع بين ضغوط معيشية متزايدة من جهة، وبيئة مالية مضطربة من جهة أخرى، مع تراجع الإيرادات العامة واتساع عجز الموازنة.
ويواصل التضخم—الذي بلغ نحو 68% في ديسمبر 2025—الضغط على ميزانيات الأسر، ما يجعل أي زيادة غير مدروسة في الأجور خطوة محفوفة بالمخاطر، قد تسهم في مزيد من تراجع قيمة العملة ما لم تُرافقها إصلاحات اقتصادية أعمق.
الحكومة: زيادات تدريجية لتفادي التضخم
في المقابل، يؤكد وزير المالية أن الحكومة تتجه نحو اعتماد زيادات تدريجية في الرواتب، استنادًا إلى توصيات المجلس الأعلى للأجور، في محاولة لتحقيق توازن بين تحسين دخول العاملين والحد من تفاقم التضخم.
وأشار الوزير إلى أن عودة البنك المركزي للعمل من داخل الخرطوم تمثل خطوة رمزية نحو استعادة جزء من وظائف الدولة الاقتصادية، رغم الضغوط غير المسبوقة التي تواجهها المؤسسات الحكومية.
موظفو الدولة: الأجور فقدت قيمتها
لكن العاملين في القطاع العام ينظرون إلى المشهد من زاوية مختلفة. فالحد الأدنى للأجور لم يعد يعكس أي صلة بتكاليف المعيشة، خصوصًا بعد التراجع الكبير في قيمة الجنيه السوداني، مع تداول الدولار عند نحو 3750 جنيهًا في السوق الموازية.
ويؤكد موظفون في قطاعات حيوية كالصحة والتعليم أن موازنة عام 2025 لم تتضمن أي زيادات، رغم الاحتجاجات المتكررة وتدهور الخدمات الأساسية. كما تشير النقابات إلى عدم انتظام صرف الرواتب، ما فاقم الأزمة المعيشية ورفع منسوب الاحتقان.
مطالب برفع الحد الأدنى وصرف المتأخرات
وتطالب تنسيقيات مهنية برفع الحد الأدنى للأجور إلى 210 آلاف جنيه، أي ما يعادل نحو 56 دولارًا، مع إعادة النظر في العلاوات الثابتة التي فقدت قيمتها الفعلية.
من جهتها، تضع لجنة المعلمين السودانيين أولوية لصرف المتأخرات المتراكمة منذ 14 شهرًا، إلى جانب مراجعة البدلات. ويؤكد رئيس اللجنة أن الأوضاع المعيشية بلغت مستويات غير مسبوقة منذ عام 2023، مطالبًا برفع الحد الأدنى إلى 216 ألف جنيه لمواكبة الارتفاع الحاد في الأسعار.
فجوة عميقة بين الدخل وتكاليف المعيشة
وتحاول وزارة المالية الاستجابة جزئيًا عبر الشروع في صرف المتأخرات بين يناير ومارس باستخدام نظام الدفع الإلكتروني، إلا أن هذه الخطوة تبقى محدودة قياسًا بحجم الفجوة القائمة.
ووفق دراسات لجنة المعلمين، تحتاج أسرة مكونة من خمسة أفراد إلى ما لا يقل عن 354 ألف جنيه شهريًا لتغطية الاحتياجات الأساسية، وقد تتجاوز الكلفة 2.8 مليون جنيه في بعض المناطق. وفي المقابل، لا يغطي متوسط الأجر الحالي سوى 1 إلى 8% من هذه النفقات، ما يعني أن أكثر من 90% من العاملين يعيشون فعليًا تحت خط الفقر المدقع.
أزمة تتجاوز ملف الرواتب
لا تبدو أزمة الأجور في السودان مجرد مسألة مالية بحتة، بل تعبيرًا عن اقتصاد أنهكته الحرب، وعُطّل فيه الإنتاج، وتراجعت الإيرادات، وضعفت المؤسسات. ومع استمرار النزاع، ستظل قدرة الدولة على تحسين دخول العاملين محدودة، بينما تتسع الفجوة بين الرواتب وتكاليف المعيشة.
وفي غياب تسوية سياسية شاملة تفتح الباب أمام إعادة الإعمار واستعادة الثقة، سيبقى ملف الأجور جزءًا من أزمة أوسع، تتجاوز قدرة الحلول الجزئية على معالجتها.