فخ "الاونلاين".. قرارات رؤساء الجامعات عن الحضور والغياب خلال رمضان
يأتي الحديث عن تحويل الدراسة إلى نظام التعليم عن بُعد خلال شهر رمضان في سياق نقاش متجدد حول مرونة النظم التعليمية وقدرتها على التكيّف مع الخصوصيات الزمنية والاجتماعية، وعلى رأسها طبيعة الشهر الفضيل وما يفرضه من تغيّر في أنماط العمل والتركيز والجهد الذهني.
ومع تزايد الاعتماد عالميًا على التقنيات الرقمية في العملية التعليمية، برزت مقترحات بتطبيق نماذج تعليمية مكثفة وقصيرة المدى، من بينها فكرة تنفيذ برنامج دراسي أونلاين لمدة 11 يومًا فقط خلال شهر رمضان، مستندة إلى تجارب إقليمية، وفي مقدمتها التجربة السعودية في تعديل الجداول والتحول الجزئي إلى التعليم الافتراضي.
غير أن هذه الفكرة، رغم ما تحمله من وجاهة تنظيمية ومرونة زمنية، اصطدمت بتحفظ واضح من جانب أغلب القيادات الجامعية.
المخاوف لا تتعلق فقط بالجوانب التقنية أو البنية التحتية، بل تمتد إلى جودة العملية التعليمية، وعدالة التقييم، ومدى جاهزية أعضاء هيئة التدريس والطلاب لتلقي محتوى مكثف في فترة زمنية قصيرة.
وبين الطموح لتطوير أنماط التعليم، والحذر المؤسسي من قرارات قد تمس استقرار النظام الأكاديمي، يتبلور هذا التقرير لتحليل الفكرة بموضوعية، واستعراض فرصها وتحدياتها، في ضوء موقف القيادة الجامعية السائد.
أكد الدكتور محمد سامي عبد الصادق، رئيس جامعة القاهرة، أن الجامعة تلتزم خلال شهر رمضان المبارك بتطبيق نظام الدراسة الحضورية الكامل، انطلاقًا من حرصها على استمرارية العملية التعليمية والحفاظ على انتظام الجداول الدراسية وفقًا للضوابط الأكاديمية المعتمدة.
جامعة القاهرة: انتظام حضوري مع مراعاة خصوصية الشهر الكريم
وأضاف أن إدارة الجامعة راعت خصوصية الشهر الكريم من خلال إعادة تنظيم اليوم الدراسي وتقليل زمن بعض المحاضرات بما يضمن انتهاء الأنشطة التعليمية قبل موعد الإفطار، وبما يحقق التوازن بين متطلبات التحصيل العلمي والاعتبارات الصحية والاجتماعية للطلاب وأعضاء هيئة التدريس. وأوضح رئيس الجامعة أن هذه الإجراءات جاءت في إطار خطة تنظيمية شاملة أقرّتها المجالس المختصة، مع منح الكليات المرونة اللازمة لتطبيق ما يتناسب مع طبيعة البرامج الدراسية والتخصصات المختلفة، دون الإخلال بجودة المحتوى العلمي أو مخرجات التعلم.
وشدد على أن الجامعة تتابع بشكل مستمر سير الدراسة خلال الشهر الفضيل، وتتدخل فورًا لمعالجة أي معوقات قد تؤثر على انتظام العملية التعليمية أو على راحة الطلاب.

وأكد الدكتور محمد سامي أن جامعة القاهرة تضع مصلحة الطالب في مقدمة أولوياتها، وتسعى إلى توفير بيئة تعليمية منضبطة ومحفزة في مختلف الظروف، معربًا في ختام تصريحاته عن خالص تهانيه لأسرة الجامعة بحلول شهر رمضان المبارك، ومتمنيًا للجميع دوام التوفيق والصحة والسداد.
جامعة طنطا: نظام هجين لتخفيف الكثافات ومواكبة التحول الرقمي
أكد الدكتور محمد حسين، رئيس جامعة طنطا، أن منظومة الدراسة بالجامعة تسير وفق نظام هجين يجمع بين الحضور الفعلي والتعليم الإلكتروني، بما يواكب توجهات الدولة نحو التحول الرقمي وتطوير أساليب التعلم الحديثة.
وأوضح أن نسبة الدراسة «أون لاين» تبلغ في المتوسط نحو 30% لبعض المقررات الدراسية داخل كل كلية، وذلك وفقًا لطبيعة المقرر ورؤية مجلس القسم المختص، وبما يضمن تحقيق أقصى استفادة علمية للطلاب دون الإخلال بجودة العملية التعليمية.

وأشار رئيس الجامعة إلى أن هذا النظام يتيح مرونة أكبر للطلاب وأعضاء هيئة التدريس، ويسهم في تخفيف الكثافات داخل القاعات الدراسية، مع الحفاظ على الجانب العملي والتطبيقي الذي يتطلب الحضور المباشر، خاصة في الكليات العملية. وأضاف أن النسبة المقررة للتعليم الإلكتروني ترتفع في الكليات النظرية، نظرًا لاعتمادها بدرجة أكبر على المحاضرات النظرية والمصادر الرقمية، وهو ما يتماشى مع طبيعة هذه التخصصات.
وأكد أن الجامعة تتابع بشكل دوري تنفيذ هذا النظام من خلال وحدة إدارة التعليم عن بعد DLMS وتعمل على تطوير البنية التكنولوجية ومنصات التعلم الإلكتروني، بما يضمن تقديم تجربة تعليمية متكاملة تحقق أهداف الجودة والاعتماد، وتدعم إعداد خريج قادر على مواكبة متطلبات سوق العمل المعاصر وفقًا لمبادئ الاستراتيجية الوطنية للتعليم العالي والبحث العلمي.
قرارات وزارية تحكم المشهد وضبط السياسات التعليمية
أكد الدكتور إيهاب الببلاوي، نائب رئيس جامعة الزقازيق لشئون الدراسات العليا والبحوث، أن تنظيم آليات الدراسة واتخاذ القرارات المرتبطة بها لا يندرج ضمن صلاحيات الجامعات وحدها، بل يخضع في الأساس لقرارات وزارية تصدر عن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، بما يضمن توحيد السياسات التعليمية على مستوى الجامعات المصرية كافة.
وأوضح أن بعض لوائح الكليات، خاصة في الكليات العملية والتطبيقية، لا تتيح مرونة كبيرة في هذا الشأن، نظرًا لاعتماد العملية التعليمية فيها على الحضور المباشر والتدريب العملي والمعامل والورش، وهو ما يصعب تعويضه ببدائل أخرى دون الإخلال بجودة المخرجات التعليمية.
وأضاف أن أي مقترحات تتعلق بتعديل نظم الدراسة أو أساليب الحضور يجب أن تراعي خصوصية كل كلية وطبيعة برامجها الدراسية، وأن تتم في إطار قانوني منظم يضمن الحفاظ على الانضباط الأكاديمي وتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص بين الطلاب.
وشدد نائب رئيس الجامعة على أن الجامعات ملتزمة بتطبيق ما يصدر من قرارات وزارية في هذا الإطار، مع السعي في الوقت ذاته إلى تهيئة المناخ التعليمي المناسب الذي يوازن بين متطلبات العملية التعليمية وظروف الطلاب وأعضاء هيئة التدريس، بما يخدم مصلحة الطالب وجودة التعليم الجامعي.
الكليات العملية تحذر: المهارات الإكلينيكية لا تُدرّس عن بُعد
أكدت الدكتورة إيمان بكر، عميدة كلية الطب البيطري بجامعة القاهرة سابقًا، أن تطبيق نظام الدراسة الأونلاين بشكل فعّال خلال شهر رمضان يواجه تحديات حقيقية في الكليات العملية، وعلى رأسها التخصصات الطبية والبيطرية، نظرًا لطبيعة هذه البرامج التي تعتمد أساسًا على التدريب المباشر والممارسة الميدانية. وأوضحت أن الخطة الدراسية في هذه الكليات تقوم على جداول زمنية دقيقة موزعة على أسابيع محددة، تتضمن محتوى علميًا وتطبيقيًا لا يمكن تعويضه بالكامل عبر المنصات الإلكترونية.
وشددت على أن اكتساب المهارات الإكلينيكية لا يتحقق إلا من خلال حضور الطلاب فعليًا داخل المعامل والمستشفيات التعليمية، ومشاركتهم المباشرة في إجراء الفحوصات والتجارب والتعامل مع الحالات الواقعية، وهو ما يصعب نقله عبر الوسائط الرقمية دون التأثير على جودة المخرجات التعليمية.
وفي المقابل، أشارت إلى أن الكليات النظرية تتمتع بمرونة أكبر في تطبيق التعليم عن بُعد، لعدم ارتباطها بتجارب معملية أو مهارات تطبيقية مباشرة، ما يسمح بالاستفادة من التقنيات الحديثة دون الإخلال بجوهر العملية التعليمية. واختتمت بالتأكيد على أن أي قرار بتوسيع نطاق الدراسة الأونلاين يجب أن يراعي خصوصية كل تخصص، حفاظًا على مستوى الخريجين وكفاءة المنظومة التعليمية.
التعليم الإلكتروني ليس حلًا موسميًا في رمضان
أكدت الدكتورة لبنى فريد، عميدة كلية التجارة بجامعة القاهرة، أن ربط التحول إلى الدراسة الإلكترونية بشهر رمضان فقط لا يعد طرحًا عمليًا أو مجديًا، مشيرة إلى أن طبيعة الدراسة في مرحلة البكالوريوس تختلف جذريًا عن الدراسات العليا من حيث أساليب التدريس ومتطلبات التفاعل المباشر.
وأوضحت أن التجربة التعليمية في مرحلة الليسانس تقوم في الأساس على الحضور المنتظم، والانضباط الأكاديمي، والتواصل المباشر بين الطالب وعضو هيئة التدريس، وهو ما يصعب تعويضه بشكل كامل عبر المنصات الإلكترونية.
وفي السياق ذاته، أوضحت عميدة الكلية أن نظام الدراسة “أون لاين” يكون أكثر فاعلية وجدوى لفئات محددة، وفي مقدمتها الدارسون الوافدون من الخارج، سواء خلال شهر رمضان أو في غيره من أوقات العام، نظرًا لظروف الإقامة والسفر.
وأشارت إلى أن هذا النمط من الدراسة قد يخدم أيضًا المديرين والعاملين الذين تتطلب طبيعة أعمالهم التواجد المستمر في جهات عملهم، أو الذين يصعب عليهم ترك وظائفهم لحضور المحاضرات بانتظام داخل الحرم الجامعي.
وشددت على أن الأصل هو أن تكون المحاضرة حضورية لما لذلك من أثر إيجابي على جودة العملية التعليمية، مع إمكانية إتاحتها في الوقت نفسه عبر المنصات الإلكترونية، بما يحقق التوازن بين الانضباط الأكاديمي ومراعاة الظروف الخاصة لبعض الفئات.
بين الحضور والانضباط: الجامعات تبحث عن المعادلة الصعبة في رمضان
تعكس هذه التصريحات اتجاهًا عامًا داخل الجامعات المصرية نحو الحفاظ على انتظام الدراسة خلال شهر رمضان، مع تطبيق مرن ومدروس لنظم التعليم الهجين، يراعي طبيعة التخصصات المختلفة، ويلتزم في الوقت ذاته بالقرارات الوزارية وجودة العملية التعليمية، بما يضمن مصلحة الطالب وكفاءة المنظومة الجامعية في مختلف الظروف
في ضوء ما سبق، يتضح أن فكرة تطبيق الدراسة أونلاين خلال شهر رمضان لمدة 11 يومًا، رغم استنادها إلى تجارب إقليمية ناجحة نسبيًا، لا تزال تواجه قدرًا كبيرًا من التحفّظ داخل الأوساط الجامعية. فغالبية القيادات الأكاديمية لا تُبدي ترحيبًا واسعًا بهذا المقترح، ليس رفضًا للتعليم الرقمي في حد ذاته، بل خشية من أن يؤدي ضغط الزمن واختزال المقررات إلى الإخلال بجودة المخرجات التعليمية، أو إلى تفاوت واضح في فرص التعلم والتقييم بين الطلاب.
كما ترى القيادات أن شهر رمضان، بطبيعته الخاصة، يتطلب تخفيف العبء الدراسي لا تكثيفه، وأن أي تغيير جوهري في التقويم أو نمط الدراسة يجب أن يمر بمراحل تجريبية وتقييم علمي دقيق قبل تعميمه.
وبينما يظل التطوير والابتكار مطلبًا ملحًا في التعليم العالي، فإن اتخاذ قرارات غير متوافق عليها مؤسسيًا قد يخلق إشكاليات تنظيمية وأكاديمية تفوق المكاسب المتوقعة.