رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تقرير لمركز باستيت: قراءة في نقل معتقلي "داعش"

أرشيفية
أرشيفية

مقدمة

يُعد بدء نقل محتجزي تنظيم "داعش" من مرافق الاحتجاز في شمال شرق سوريا إلى العراق-في إطار تنسيق تقوده الولايات المتحدة وبالتعاون مع الحكومة العراقية-تطورًا لافتًا في طريقة إدارة ملف ما بعد الهزيمة الميدانية للتنظيم، ويعكس انتقالًا من منطق الاحتواء المحلي إلى مقاربة إقليمية لإدارة المخاطر الأمنية. ويأتي هذا التطور في لحظة سياسية–عسكرية تتسم بقدر عالٍ من السيولة داخل سوريا، أعقبت تطورات منتصف وأواخر يناير/كانون الثاني 2026، ولا سيما ما يتعلق بمسارات التهدئة أو إعادة ترتيب موازين السيطرة بين دمشق والقوى الكردية، سواء عبر تفاهمات تفاوضية أو صيغ اندماج قسري (Reuters، 21-01-2026)

وتُظهر المعطيات المتاحة أن العملية بدأت بنقل دفعة أولى قوامها نحو 150 محتجزًا من منشأة احتجاز في محافظة " الحسكة" إلى موقع داخل الأراضي العراقية وُصف بأنه أكثر أمانًا، في حين تشير تقديرات أميركية إلى أن هذه الخطوة قد لا تقتصر على هذه الدفعة، بل قد تتوسع لاحقًا لتشمل أعدادًا أكبر تصل إلى آلاف المحتجزين. ويجري تبرير هذا المسار رسميًا باعتباره إجراءً وقائيًا يهدف إلى الحد من احتمالات الفرار الجماعي أو اقتحام مرافق الاحتجاز، وما قد يترتب على ذلك من إعادة تنشيط شبكات التنظيم في بيئة إقليمية لا تزال هشّة أمنيًا (Reuters، Syrian Kurds hand over new prison to government troops as truce deadline looms، 23-01-2026)

وفي هذا السياق، تترتب على عملية النقل تداعيات متشابكة تتجاوز البعدين الأمني والإجرائي. فعلى المستوى العراقي، يضع نقل المحتجزين بغداد أمام تحديات مزدوجة تتمثل في ارتفاع كلفة الاحتجاز والمحاكمات، وتعقيدات إدارة السجون في ظل مخاوف قائمة من إعادة التطرف أو بناء شبكات تجنيد داخلها، إلى جانب الإشكاليات القانونية والحقوقية المرتبطة بمحاكمة مقاتلين أجانب ومحليين في آن واحد. أما داخل سوريا، فيطرح نقل المحتجزين تساؤلات حول مستقبل الحوكمة الأمنية في مناطق ومعسكرات كانت تمثل أحد أعمدة إدارة ملف التنظيم، وما إذا كان هذا النقل قد يفضي إلى فراغ أمني أو إداري في ظل غياب بدائل مؤسسية واضحة. وعلى الصعيد الإقليمي، يعكس هذا المسار ميلًا إلى إعادة توزيع مصادر الخطر بدلًا من معالجتها جذريًا، مع ما يصاحبه من ضغوط سياسية متزايدة على دول منشأ المحتجزين لتحمل مسؤوليات إعادة مواطنيها أو المساهمة في إدارة هذا الملف (France24، 22-01-2026)

ويأتي هذا التقرير ليتناول قرار نقل محتجزي تنظيم "داعش" من شمال شرق سوريا إلى العراق بوصفه تعبيرًا عن تحوّل في إدارة مرحلة ما بعد التنظيم، وليس مجرد إجراء أمني إجرائي. وتركّز على تحليل السياق السياسي–الأمني الذي أفرز هذا المسار، ودوافع الأطراف المنخرطة فيه، وتداعياته على المستويات العراقية والسورية والإقليمية، مع إبراز إشكاليات تقاسم الأعباء وإدارة المخاطر، واحتمالات إعادة إنتاج بؤر التطرف داخل منظومات الاحتجاز، بما يسمح بفهم أعمق لدلالاته الاستراتيجية في المشهد الإقليمي.

أولاً: الاطار المنهجي  :

يعتمد هذا التقرير على المنهج التحليلي–الوصفي في إطار دراسات الأمن الإقليمي وإدارة المخاطر العابرة للحدود، بهدف تفكيك حدث نقل معتقلي تنظيم "داعش" من شمال شرق سوريا إلى العراق بعد 18 يناير 2026، وتحليل أبعاده الأمنية والسياسية والقانونية. ويُستخدم هذا المنهج لفهم العلاقة بين التحولات الميدانية في سوريا، واستراتيجيات التحالف الدولي، وقدرات الدولة العراقية على الاستيعاب الأمني والقضائي، في سياق إقليمي يتسم بالهشاشة وعدم اليقين (Buzan و Wæver، 2003)

كما يوظّف التقرير مقاربة تحليل السيناريوهات (Scenario Analysis) لاستشراف المسارات المحتملة لتداعيات عملية النقل على العراق والدول المجاورة، انطلاقًا من فرضية أن نقل المعتقلين لا يُنهي الخطر، بل يعيد توزيعه جغرافيًا ومؤسسيًا. وتستند هذه المقاربة إلى تتبع المؤشرات الأمنية والسياسية قصيرة ومتوسطة المدى، مع مقارنة تجارب سابقة لإدارة السجناء الجهاديين في العراق وسوريا (Wilkinson، 2024)

يعتمد هذا التقرير على مصادر أولية وثانوية حديثة، تشمل بيانات رسمية صادرة عن القيادة المركزية الأمريكية، وتغطيات وكالات أنباء دولية  Reuters، France 24 ، إلى جانب تقارير تحليلية صادرة عن مراكز أبحاث متخصصة في شؤون الإرهاب والنزاعات، مع الالتزام بالتحقق المقارن للمعلومات وتجنب التفسيرات الأحادية. 

ثانياً: إعادة ترتيب المشهد الأمني في شمال شرق سوريا وعملية نقل معتقلي "داعش":

   جاء قرار نقل محتجزي تنظيم "داعش" من مرافق الاحتجاز في شمال شرق سوريا إلى العراق في سياق سياسي-أمني شديد التعقيد، أعقب تطورات متسارعة منذ منتصف يناير/كانون الثاني 2026. حيث برز تداخل واضح بين مسارين متوازيين: أولهما مسار تهدئة وتفاهمات مؤقتة-معلنة وغير معلنة-بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) حول قضايا السيطرة والإدارة وإعادة تموضع النفوذ، وثانيهما مسار أمني عاجل يتعلق بإدارة منشآت احتجاز تضم آلاف المقاتلين والمشتبه في انتمائهم للتنظيم، في ظل مخاوف متزايدة من تدهور منظومة الحراسة نتيجة تغيّر موازين القوة على الأرض (The-Guardian، 24-01-2026)

 

وتكتسب هذه اللحظة أهميتها من كون منظومة الاحتجاز في شمال شرق سوريا-التي اعتمدت لسنوات على قدرات "قسد" بدعم مباشر من التحالف الدولي-أصبحت أكثر عرضة للاهتزاز مع تصاعد احتمالات الصدامات السياسية والعسكرية. وهو ما أعاد إلى الواجهة معضلة "ما بعد التنظيم"، المتمثلة في وجود آلاف المحتجزين، وآلاف من أفراد عائلاتهم في المخيمات، مقابل تردد الدول المعنية باستعادة مواطنيها في تحمل مسؤولياتها القانونية والأمنية، ، وسعي الدولة السورية إلى استعادة السيادة في وقت لا تزال فيه الأطر القضائية والأمنية اللازمة لإدارة هذا الملف محل خلاف دولي وسياسي. (PBS-NewsHour، 21-01-2026)

في هذا الإطار، أعلنت القيادة المركزية الأميركية، في الفترة ما بين 19 و20 يناير/كانون الثاني 2026، بدء تنفيذ عملية نقل لمعتقلي "داعش" من شمال شرق سوريا إلى العراق، بالتنسيق مع الحكومة العراقية. وأُعلن رسميًا عن نقل دفعة أولى قوامها نحو 150 محتجزًا من أحد مرافق الاحتجاز في محافظة الحسكة إلى موقع داخل الأراضي العراقية وُصف بأنه أكثر أمانًا، مع الإشارة إلى أن هذه الخطوة قد تمثل مرحلة أولى ضمن عملية أوسع قابلة للتوسّع لاحقًا لتشمل أعدادًا أكبر (U.S-Central-Command، 21-01-2026)

وتُقدَّم الذريعة الأمنية الأساسية لهذه العملية في إطار منع سيناريوهات الفرار الجماعي أو اقتحام السجون، في ظل بيئة أمنية متقلبة قد تسمح بإعادة تنشيط خلايا التنظيم داخل سوريا أو على امتداد الحدود العراقية–السورية. غير أن هذا التبرير الأمني سرعان ما تداخل مع إشكالية أوسع تتعلق بتقاسم الأعباء، إذ رحبت بغداد بالخطوة من زاوية تقليص التهديدات المباشرة وفتح مسار قانوني للمحاكمات، لكنها شددت-وفق تغطيات متزامنة-على أن إدارة هذا الملف لا ينبغي أن تتحول إلى عبء أحادي، في ظل تصاعد الدعوات الموجهة إلى دول منشأ المحتجزين لتحمل مسؤولياتها القانونية والمالية (Anadolu-Agency، 24-01-2026)

ثالثاً: دوافع نقل محتجزي "داعش": بين إدارة المخاطر وإعادة تنظيم ملف الاحتجاز

  يُفهم قرار نقل محتجزي تنظيم "داعش" في المقام الأول ضمن إطار إدارة المخاطر قصيرة الأجل، حيث يتمثل الدافع الأساسي في تقليص احتمالات وقوع انفلات أمني واسع النطاق، ولا سيما سيناريوهات الفرار الجماعي لعناصر تمتلك خبرات قتالية وتنظيمية، بما قد يسهم في إعادة تنشيط أنماط عنف عابرة للحدود في بيئة إقليمية لا تزال تعاني من هشاشة أمنية واضحة. ومن هذا المنظور، يُقدَّم النقل كإجراء وقائي يهدف إلى احتواء التهديدات الأكثر إلحاحًا في المدى المنظور. (الجزيرة-نت، 2026) ، وفي الوقت ذاته، يعكس هذا القرار اعتبارات أوسع تتعلق بإعادة تنظيم إدارة ملف الاحتجاز على المستويين السياسي والعملياتي، إذ جرى نقل جزء من عبء هذا الملف من شمال شرق سوريا-حيث تتسم ترتيبات السيطرة والاستقرار بعدم الثبات-إلى العراق، استنادًا إلى ما يمتلكه من خبرة مؤسسية سابقة في إدارة المحاكمات ومرافق الاحتجاز المرتبطة بالتنظيم. غير أن هذا الخيار، رغم طابعه البراغماتي، يظل مصحوبًا بإشكاليات قانونية وحقوقية وسياسية قائمة، تحدّ من قدرته على تقديم حل مستدام، وتُبقي عملية النقل في إطار إعادة توزيع الخطر أكثر من كونها معالجة لجذوره البنيوية (Reuters، Syrian troops, Kurdish forces poised on front lines as truce deadline looms، 24-01-2026)

وفي ضوء ما سبق، يمكن التأكيد على أسباب نقل السجناء من سوريا إلى العراق يرجع إلى :

-              تراجع دور قوات سوريا الديمقراطية  (SDF) وانحسار قدرتها على السيطرة على منشآت الاحتجاز في شمال شرق سوريا في إحداث فراغ أمني متزايد داخل السجون التي تضم آلاف المحتجزين المرتبطين بتنظيم "داعش"، وهو ما قوّض أحد أعمدة منظومة الاحتواء التي اعتمدت عليها الأطراف الدولية خلال السنوات الماضية.    (theguardian، 20-01-2026)،

-               تصاعدت المخاوف الأمنية لدى الولايات المتحدة وشركائها الإقليميين والدوليين من احتمالات فرار جماعي أو إعادة تنشيط خلايا نائمة للتنظيم، بما قد يعيد إنتاج تهديدات عابرة للحدود في بيئة إقليمية هشّة. وضمن هذا السياق، اتجهت واشنطن إلى تبنّي خيار نقل محتجزي "داعش" إلى العراق باعتباره مسارًا عمليًا لتقليص المخاطر الآنية وضمان احتجازهم داخل منشآت يُنظر إليها بوصفها أكثر صلابة من الناحية الأمنية (military، 2026). 

-              انخراط العراق فى إدارة الملف حيث وافقت الحكومة العراقية على استلام الدفعة الأولى من المحتجزين، والتي ضمّت نحو 150 متهمًا، وأعلنت عزمها الشروع في إجراءات قضائية رسمية بحقهم وفق القوانين العراقية النافذة، معتبرة أن الانخراط في إدارة هذا الملف يندرج ضمن مقاربة أوسع لتعزيز الأمن القومي ومنع عودة التنظيم إلى العمل المنظم (ahram، 22-01-2026)

كما يتداخل قرار النقل مع اعتبارات إقليمية أوسع، حيث أظهرت مواقف بعض الفاعلين الإقليميين، وفي مقدمتهم تركيا، حساسية خاصة تجاه مآلات إدارة ملف محتجزي "داعش" في شمال سوريا، وربطت بين استقرار ترتيبات التهدئة وبين ضمان عدم تحوّل هذا الملف إلى مصدر تهديد أمني جديد عبر الحدود. ويعكس ذلك إدراكًا إقليميًا متزايدًا بأن أي اختلال في إدارة هذا الملف قد تكون له ارتدادات أمنية تتجاوز الساحتين السورية والعراقية.

رابعاً: تداعيات قرار النقل على العراق – سوريا – دول الجوار 

1-             بالنسبة لتداعيات على العراق وما وراء منطق الاستضافة:

‌أ-              أعباء الاحتجاز ومتطلبات الأمن

يترتب على نقل مئات، وربما آلاف، من محتجزي تنظيم "داعش" إلى العراق تصاعد ملموس في كلفة إدارة منظومة الاحتجاز، سواء من حيث التشغيل اليومي، أو متطلبات الحراسة والاستخبارات، أو تأمين المنشآت في بيئة أمنية لا تزال تعاني من هشاشة نسبية.  (Anadolu-Agency، 24-01-2026)

‌ب-           مخاطر إعادة التطرف داخل السجون

تُظهر التجارب السابقة للتنظيمات الجهادية في العراق والمنطقة أن السجون قد تتحول، في ظل التكدس وضعف آليات الفصل والتقييم، إلى بيئات حاضنة لإعادة إنتاج التطرف وبناء شبكات تواصل وتنظيم. ومن ثم، لا يتوقف نجاح عملية النقل على تأمين مرافق الاحتجاز فحسب، بل يرتبط بدرجة أكبر بمدى كفاءة نموذج إدارة السجون المعتمد، وقدرته على دمج أدوات فعالة للتقييم، والفصل، وإعادة التأهيل، بما يقلل من احتمالات تحوّل الاحتجاز إلى عامل مُغذٍ لدورات عنف لاحقة (PBS-NewsHour، 21-01-2026)

‌ج-            التحدي القضائي والسيادي

يضع إعلان العراق الشروع في الإجراءات القانونية المحتجزين أمام تحديات قضائية معقدة، تتعلق بطبيعة الأدلة العابرة للحدود، واعتماد ملفات تحقيق جُمعت في ساحات نزاع غير مستقرة، فضلًا عن التعامل مع متهمين من جنسيات متعددة، في ظل ضغوط دولية متزايدة لاحترام معايير المحاكمة العادلة.  (Reuters، Syrian Kurds hand over new prison to government troops as truce deadline looms، 23-01-2026)

‌د-             صلة الملف باستمرارية تهديد "داعش" منخفض الحدة

على الرغم من التراجع الميداني للتنظيم، لا تزال خلاياه قادرة على استثمار أي ارتباك أمني، أو توترات اجتماعية، أو احتجاجات محلية، بوصفها فرصًا لإعادة التموضع والتعبئة الرمزية. وفي هذا الإطار، فإن أي خلل في إدارة ملف المحتجزين-سواء على مستوى الأمن أو العدالة-قد يتحول إلى عنصر تعبوي يُستخدم لإعادة تنشيط الشبكات المرتبطة بالتنظيم، ضمن نمط تمرد منخفض الحدة يصعب احتواؤه أمنيًا فقط (Reuters، Turkey says Syria ceasefire should hold during Islamic State prisoner transfers to Iraq، 23-01-2026)

2-            بالنسبة للتداعيات على سوريا: بين استعادة السيادة واستمرار تدويل إدارة الخطر

على المدى القصير، يُرجَّح أن يسهم نقل محتجزي تنظيم "داعش" إلى خارج الأراضي السورية في تخفيف جزء من العبء الأمني الواقع على مناطق شمال شرق سوريا، ولا سيما في ظل هشاشة البيئة الأمنية وتعدد الفاعلين المسيطرين على الأرض، بما قد يقلص احتمالات وقوع اختراقات أو حالات انفلات أمني واسعة، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول حدود استعادة الدولة السورية لوظائفها السيادية في هذا الملف (The-Guardian، 24-01-2026)

وفي السياق ذاته، يظل التركيز على نقل المقاتلين المحتجزين مقاربة جزئية لا تعالج جوهر معضلة المخيمات، وفي مقدمتها مخيم الهول وغيره من مواقع الاحتجاز غير النظامية التي تضم عشرات الآلاف من النساء والأطفال. إذ يرتبط خطر إعادة إنتاج التطرف في هذه المخيمات بتعقيدات إدارة مدنية وأمنية وإنسانية متداخلة، فضلًا عن استمرار غياب حلول واضحة لمسارات إعادة الأطفال والنساء إلى الدول المعنية أو إدماجهم محليًا ضمن برامج طويلة الأمد لإعادة التأهيل والدمج الاجتماعي (Reuters، US military starts transferring Islamic State detainees from Syria to Iraq.، 21-01-2026)

3-            التداعيات على دول الجوار وخارج الإقليم

•             تركيا

تنبع حساسية أنقرة إزاء عملية نقل محتجزي تنظيم "داعش" من احتمالات ارتداد التهديدات الأمنية نحو حدودها الجنوبية، ولا سيما في حال اهتزاز ترتيبات الضبط الأمني في شمال سوريا. وفي هذا الإطار، يمكن فهم التشديد التركي على تثبيت ترتيبات التهدئة ووقف إطلاق النار خلال تنفيذ عمليات النقل باعتباره جزءًا من مقاربة استباقية لإدارة "مخاطر الارتداد"، التي قد تتجلى في تسرب عناصر متطرفة أو تنشيط مسارات تهريب وعبور غير نظامية.  (Reuters، Turkey says Syria ceasefire should hold during Islamic State prisoner transfers to Iraq، 23-01-2026)

•             الأردن

يتأثر الأردن بصورة مباشرة بأي اختلالات أمنية في جنوب وشرق سوريا، لا سيما تلك المرتبطة بتمدد شبكات التهريب عبر البادية السورية. وفي هذا السياق، يُنظر إلى استقرار شرق سوريا باعتباره عنصرًا محوريًا في معادلة أمن الحدود الأردنية، حيث إن أي فراغات أمنية أو ضعف في الحوكمة المحلية قد يخلق بيئة مواتية لتقاطع أنشطة التهريب مع تحركات خلايا متطرفة منخفضة الظهور (The-Guardian، 24-01-2026)

•             الدول المعنية باستعادة مواطنيها (أوروبا وآسيا الوسطى وغيرها)

تعكس العودة الأميركية إلى طرح مسألة إعادة المواطنين المحتجزين إدراكًا بأن نقل محتجزي "داعش" إلى العراق يُفترض أن يكون إجراءً مرحليًا، وليس حلًا دائمًا لإدارة الملف. فغياب مسارات واضحة لإعادة هؤلاء المحتجزين إلى الدول المعنية قد يحوّل العراق، بحكم الأمر الواقع، إلى مركز احتجاز دولي للمقاتلين الأجانب، بما يفرض أعباء قانونية وحقوقية وأمنية إضافية على بغداد، ويعيد إنتاج الإشكاليات نفسها التي سعت عملية النقل إلى تجاوزها (France24، 22-01-2026)

•             خارج الإقليم (الولايات المتحدة والتحالف الدولي)

من منظور الولايات المتحدة وشركائها في التحالف، يمكن قراءة عملية النقل بوصفها أداة لتقليص المخاطر التشغيلية المرتبطة بوجود قوات أجنبية في سوريا، ولا سيما احتمالات التورط في أزمات اقتحام سجون أو انهيار منظومات احتجاز. غير أن هذا المسار يفتح، في المقابل، نقاشًا سياسيًا وقانونيًا أوسع حول مدى مشروعية إعادة ترتيب قواعد إدارة ملف المحتجزين دون التوصل إلى حلول مستدامة لمسائل المحاكمات الدولية أو آليات التسليم التي تحظى بتوافق قانوني وسياسي أوسع (U.S-Central-Command، 21-01-2026)

خاتمة وسيناريوهات المستقبل لنهاية 2026

 في ضوء ما سبق، يتضح أن نقل معتقلي تنظيم “داعش” من شمال شرق سوريا إلى العراق لا يمثل حلًا نهائيًا لمعضلة ما بعد التنظيم، بقدر ما يعكس إعادة تموضع لإدارة الخطر ضمن بيئة إقليمية لا تزال شديدة الهشاشة. ومن ثم، يمكن استشراف ثلاثة مسارات رئيسية محتملة خلال الأشهر الستة إلى الثمانية عشر المقبلة، تختلف تبعًا لمستوى التنسيق الدولي، وقدرة الدولة العراقية على الاستيعاب المؤسسي، ومسار الترتيبات الأمنية في سوريا.

 

المسار الأول: الاحتواء المُدار

يفترض هذا المسار نجاح العراق، بدعم مالي وتقني دولي، في دمج الدفعات المنقولة ضمن منظومة احتجاز أكثر صرامة وانضباطًا، مع تحقيق تقدم محدود لكنه ملموس في إجراءات المحاكمة أو إعادة بعض المحتجزين إلى دولهم الأصلية. في هذه الحالة، يُسهم نقل المعتقلين في خفض احتمالات الانفلات الأمني قصير المدى، ويحد من قدرة التنظيم على استثمار ملف السجون بوصفه أداة تعبئة مركزية، دون أن يعني ذلك القضاء النهائي على بنيته الخلوية (PBS-NewsHour، 21-01-2026).

 

المسار الثاني: التكدس وتفاقم المخاطر الداخلية

يقوم هذا السيناريو على تصاعد أعداد المعتقلين المنقولين بوتيرة تفوق القدرة الاستيعابية للمؤسسات الأمنية والقضائية العراقية، ما يؤدي إلى الاكتظاظ داخل السجون، وتنامي التوترات الداخلية، وتعثر الإجراءات القانونية. وفي ظل غياب برامج فرز وتأهيل فعّالة، قد تتحول أماكن الاحتجاز إلى بيئات حاضنة لإعادة التجنيد وبناء الشبكات، بما يرفع من احتمالات أعمال عنف أو محاولات فرار، ويقوّض الهدف الأمني الأصلي من عملية النقل (France24، 22-01-2026)

 

المسار الثالث: الارتداد الإقليمي وإعادة تنشيط العنف منخفض الحدة

يرتبط هذا المسار بتعثر الترتيبات الأمنية والسياسية في سوريا، وتزامن ذلك مع نشاط متزايد لخلايا التنظيم في مناطق البادية والحدود السورية–العراقية. في هذا السياق، قد يتحول ملف المعتقلين إلى عنصر تعبئة رمزي في خطاب التنظيم، تحت شعار "تحرير الأسرى"، بما يساهم في إعادة إنتاج أنماط عنف منخفضة الحدة، ويعقّد المشهد الأمني في العراق والدول المجاورة على حد سواء (Reuters، US military starts transferring Islamic State detainees from Syria to Iraq.، 21-01-2026)

 

أى ان هذه السيناريوهات تكشف أن الرهان الحقيقي لا يكمن في عملية النقل ذاتها، بل في حوكمة ما بعدها: أي في قدرة الأطراف المعنية على تحويل إدارة المعتقلين من عبء أمني طارئ إلى مسار قانوني–مؤسسي مستدام، قائم على تقاسم الأعباء الدولية، ومنع إعادة إنتاج التطرف، وتحييد الملف عن توظيفه في ديناميات الصراع الإقليمي. ومن دون ذلك، سيظل نقل المعتقلين مجرد إعادة توزيع للخطر، لا معالجة لجذوره البنيوية.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء