رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

مفرمة الأبحاث.. كيف يغتال "الكم" جودة العقل في دهاليز الجامعات؟

البحث العلمي إنجازات
البحث العلمي إنجازات في الواجهة وأزمات في العمق

في السنوات الأخيرة، بدا وكأن ملف البحث العلمي في الجامعات المصرية يعيش مرحلة ازدهار لافتة، أرقام النشر الدولي تتصاعد، برامج الدراسات العليا تتوسع، مؤشرات الأداء البحثي تتحسن، وخطاب رسمي متفائل يربط بين الجامعة واقتصاد المعرفة والابتكار والتنمية المستدامة. من الخارج، تبدو الصورة متماسكة، بل مطمئنة إلى حد كبير، وكأن منظومة البحث تسير بثبات نحو مرحلة أكثر نضجًا وتأثيرًا.

لكن خلف هذه الواجهة المضيئة، تتشكل في العمق أزمة صامتة لا تظهر في الجداول ولا في تقارير التصنيف، أزمة لا تُقاس بسهولة بالأرقام، لكنها تتسلل ببطء إلى قلب المنظومة الأكاديمية نفسها. إنها أزمة الإشراف العلمي، وأزمة الحوافز، وأزمة أوضاع الباحثين الشباب، أزمة تظهر في التفاصيل الصغيرة للحياة اليومية داخل الأقسام والمعامل، في فصل يتأخر تصحيحه، وفي جلسة إشراف تُؤجَّل، وفي رسالة تُنجز على عجل، وفي باحث يفقد شغفه قبل أن يكتمل تكوينه العلمي.

أسئلة لا تطرحها تقارير التصنيف

هذا النص لا يناقش أرقام التصنيفات، ولا يشكك في إنجازات تحققت بالفعل، بل يفتح ملفًا أكثر حساسية: كيف تُنتَج هذه الأبحاث؟ كيف يُدار الإشراف؟ وماذا يواجه الباحثون في صمت داخل منظومة يُفترض أنها تصنع المعرفة وتبني العقول؟

التوسع الكمي… حين يسبق الكم الجودة

شهدت منظومة الدراسات العليا خلال العقد الأخير توسعًا غير مسبوق في عدد البرامج والدرجات العلمية. القبول اتسع، وعدد رسائل الماجستير والدكتوراه ارتفع بصورة مطّردة، ما أسهم في رفع حجم الإنتاج البحثي كمًّا. غير أن هذا التوسع الكمي لم يواكبه بالقدر نفسه تطوير متوازن في منظومة الإشراف. كثير من الأقسام وجدت نفسها أمام أعداد متزايدة من الباحثين دون زيادة موازية في عدد المشرفين المتفرغين أو في الوقت المتاح للإشراف الجاد، وهو ما خلق فجوة بنيوية بين حجم الطموح المؤسسي وقدرة المنظومة على استيعابه.

الإشراف العلمي… القلب الخفي لجودة البحث

في هذا السياق، يصبح الإشراف العلمي الحلقة التي يتوقف عندها كل شيء تقريبًا. فالإشراف ليس إجراءً إداريًا، ولا توقيعًا في ملف، بل هو العملية التي تتشكل فيها جودة البحث من الأساس. المشرف هو من يوجّه اختيار الموضوع، ويضبط الإطار النظري، ويصحح المسار المنهجي، ويمنع الانزلاق إلى النقل أو التكرار، ويبني شخصية الباحث العلمية قبل أن يبني نص الرسالة. ومع ذلك، تتعامل كثير من اللوائح التنظيمية مع الإشراف باعتباره عبئًا إضافيًا على عضو هيئة التدريس، لا نشاطًا استراتيجيًا يستحق أعلى درجات الرعاية المؤسسية.

ضغط الأعداد… حين يصبح الوقت عدوًا للبحث

الضغط الحقيقي يبدأ حين يتكدس على الأستاذ الواحد عدد كبير من الباحثين في الوقت نفسه. في كثير من الأقسام، يشرف الأستاذ على عشرة أو اثني عشر طالب دراسات عليا بالتوازي، بينما يواصل في الوقت ذاته عبئه التدريسي الكامل، ويؤدي مهامه الإدارية واللجنية، ويلاحق متطلبات النشر للترقية، ويلتزم بمهام الجودة والاعتماد. في هذا الوضع، يصبح الوقت هو المورد الأندر، ويغدو الإشراف الجيد، الذي يحتاج إلى جلسات طويلة وقراءات متكررة ومناقشات معمقة، شبه مستحيل من الناحية العملية.

من علاقة علمية إلى إجراء تنظيمي

تحت هذا الضغط، يبدأ الإشراف في التحول من علاقة علمية إلى إجراء تنظيمي. بدل أن يكون مساحة تفكير مشترك، يصبح سلسلة من التقارير والمحاضر والتوقيعات. كثير من أعضاء هيئة التدريس يعترفون بأن الوقت الذي يُهدر في استكمال المتطلبات الإدارية يفوق أحيانًا الوقت الذي يُخصص لمناقشة جوهر البحث نفسه. وهنا تتسع الفجوة بين ما تقوله اللوائح وما يحدث فعليًا داخل غرف الإشراف، بين الشكل المؤسسي والمضمون العلمي.

مكافآت رمزية… ورسائل مؤسسية خطيرة

تزداد الصورة تعقيدًا حين نصل إلى ملف مكافآت الإشراف. فهذه المكافآت تمثل في أي منظومة مؤشراً واضحًا على درجة تقدير هذا الدور. غير أن كثيرًا من أعضاء هيئة التدريس يرون أن ما يحصلون عليه لا يوازي بأي حال طول مدة الإشراف، ولا حجم الجهد الذهني المبذول، ولا عدد المسودات التي تُراجع، ولا مسؤولية تكوين باحث قد يحمل اسم المشرف لسنوات طويلة لاحقة. المشكلة هنا ليست مالية فحسب، بل رمزية أيضًا، لأن الرسالة الضمنية التي تصل هي أن هذا الجهد ليس في صدارة أولويات المنظومة.

الحوافز… اللغة التي تفهمها المنظومات

خبراء الإدارة الجامعية يؤكدون أن المنظومات لا تُدار بالنوايا الحسنة وحدها، بل بالحوافز وترتيب الأولويات. حين تكون مكافآت الإشراف ضعيفة، وحين لا يُخفف العبء التدريسي عن المشرفين النشطين، وحين لا تُربط الترقية أو التميز بجودة الإشراف، فإن السلوك المؤسسي يتغير تلقائيًا. تقل الجلسات الإشرافية، تتأخر مراجعة المسودات، يتركز الجهد في أنشطة أعلى عائدًا، ويتحول الإشراف تدريجيًا إلى مهمة هامشية، لا إلى قلب العملية البحثية.

الباحثون الشباب… الخسارة الأكبر

في هذه المعادلة المختلة، يدفع الباحثون الشباب الثمن الأكبر. في المراحل الأولى من التكوين العلمي، يحتاج الباحث إلى توجيه مكثف، وتصحيح مبكر، وتغذية راجعة تفصيلية، لكن الواقع أن الوقت المتاح للمشرف محدود للغاية. كثير من الباحثين يضطرون إلى الاعتماد على أنفسهم بدرجة تفوق طاقتهم، ويتحول هدفهم من إنتاج رسالة قوية إلى مجرد إنهاء الدرجة العلمية في أقصر وقت ممكن. ومع طول المدة وتأخر الردود وضعف التوجيه، يتآكل الحماس تدريجيًا، ويخفت الشغف الذي يُفترض أن يكون وقود البحث الحقيقي.

من ضعف الإشراف إلى ضعف المعرفة

ضعف الإشراف لا يظل أثره محصورًا داخل العلاقة بين المشرف والباحث، بل ينعكس مباشرة على طبيعة الرسائل العلمية نفسها. خبراء يرصدون أن عددًا غير قليل من الرسائل يعاني من أسئلة بحثية محدودة الطموح، ومناهج مكررة، وضعف في الأصالة، ونتائج محدودة التأثير. هنا تظهر حقيقة أساسية: جودة البحث لا تُصنع في مرحلة النشر، بل تُصنع في مرحلة الإشراف. وحين يضعف الإشراف، تتراكم أبحاث كثيرة ذات قيمة معرفية محدودة، حتى لو ارتفع عددها في المؤشرات الدولية.

الكم ضد الجودة… معركة مؤجلة

الخطورة الأكبر أن أثر هذا الخلل لا يظهر فورًا. زيادة عدد الأبحاث المنشورة تحسّن الصورة الخارجية على المدى القصير، لكن أي خلل في الإشراف سيظهر أثره بعد سنوات، حين تتراجع جودة الأجيال الجديدة من الباحثين، وحين يصبح الكم عبئًا على السمعة العلمية بدل أن يكون رصيدًا لها. رفع العدد سهل نسبيًا، لكن الحفاظ على الجودة أصعب بكثير، ويحتاج إلى استثمار مؤسسي طويل النفس.

خطاب متقدم… وسياسات لم تلحق به بعد

في هذا السياق، تتسع الفجوة بين الخطاب الرسمي والسياسات التنفيذية، الخطاب يركز على الابتكار، واقتصاد المعرفة، والتحول الرقمي، والتدويل، لكن كثيرًا من الإجراءات اليومية لم تمس بعد جوهر المنظومة: تخفيف العبء التدريسي عن المشرفين، تحديد حد أقصى واقعي لعدد الرسائل، ربط الحوافز بجودة الإشراف، دعم فرق الإشراف إداريًا وتقنيًا. ما يُحسَّن غالبًا هو الواجهة، لا العمق المؤسسي الذي تتحدد فيه جودة المخرجات فعليًا.

أزمة لا تنفجر… بل تتراكم

ما يحدث اليوم ليس أزمة فجائية، بل تراكم بطيء لعوامل عدة: تضخم الأعداد، ضعف الحوافز، ضغط الأعباء، وتعقيد اللوائح. وهي عوامل تهدد على المدى المتوسط جودة البحث العلمي، حتى لو ظلت المؤشرات الخارجية مستقرة لبعض الوقت. التجارب الدولية تظهر بوضوح أن النظم الجامعية المتقدمة تعامل الإشراف بوصفه نشاطًا استراتيجيًا، فتخفف العبء التدريسي عن المشرفين النشطين، وتربط المكافآت بجودة الرسائل، وتوفر دعمًا إداريًا وتقنيًا متكاملًا، بينما يعتمد كثير من مشرفينا على جهد فردي شبه كامل.

السؤال الذي لا يمكن تأجيله

السؤال الاستراتيجي الحقيقي اليوم ليس كم ستكلف إصلاح منظومة الإشراف، بل كم نخاطر بخسارته إذا تجاهلنا هذه الأزمة. نحن نخاطر بجودة المعرفة المنتجة، وبمستوى تكوين الباحثين، وبثقة المجتمع العلمي، وبمستقبل البحث العلمي ذاته. إصلاح منظومة الإشراف لم يعد ملفًا فنيًا محدودًا، بل قضية استراتيجية تمس جوهر دور الجامعة في المجتمع. فالجامعة التي تريد أن تبني معرفة حقيقية، لا بد أن تبدأ من الداخل، من الإشراف، ومن الباحث، ومن المنظومة التي تحمي الاثنين معًا.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء