في خطوة وصفت بأنها "زلزال دبلوماسي" في مطلع عام 2026، دشن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من منبر منتدى "دافوس" بسويسرا "مجلس السلام العالمي". هذا الكيان الذي بدأ كفكرة تقنية لإدارة قطاع غزة ما بعد الحرب، سرعان ما تحول إلى مشروع سياسي عابر للحدود، يهدف لإعادة صياغة موازين القوى الدولية ووضع "بصمة ترامب" كمرجعية أولى للسلام العالمي، متجاوزاً بذلك الأطر التقليدية للأمم المتحدة.
بنود الميثاق: سطوة "الرئيس" وثمن العضوية
كشف ميثاق المجلس، الذي وقعت عليه نحو 20 دولة كبداية، عن هيكلية غير مسبوقة في العمل الدولي. ومن أبرز بنوده التي أثارت الجدل:
- رئاسة مدى الحياة: الميثاق يمنح ترامب شخصياً، وليس بصفته رئيساً حالياً فقط، حق قيادة المجلس وتعيين خلفه، مما يضمن له البقاء كلاعب دولي محوري حتى بعد خروجه من البيت الأبيض.
- نادي المليار دولار: يشترط الميثاق على الدول الراغبة في الحصول على مقعد دائم دفع مبلغ مليار دولار، في نموذج وُصف بأنه "دبلوماسية الدفع مقابل النفوذ".
- الصلاحيات المطلقة: يمتلك رئيس المجلس سلطة تعيين وعزل الأعضاء، وتحديد أجندة الاجتماعات، مما يجعله كيانًا تنفيذيًا رشيقًا بعيدًا عن بيروقراطية التصويت المعقدة.
ما وراء غزة: التمدد نحو قضايا كبرى
رغم أن قرار مجلس الأمن رقم (2803) رحب بالمجلس كجهة انتقالية لإعمار غزة ونزع السلاح، إلا أن طموحات ترامب المعلنة تجاوزت القطاع. فقد أكد أن المجلس سيكون "نموذجًا قابلًا للتطبيق" في نزاعات أخرى مثل الحرب الروسية الأوكرانية، وحتى قضايا سيادية مثل ملف "جرينلاند". يهدف ترامب من هذا التوسع إلى إثبات أن أسلوبه "الصفقاتي" في حل النزاعات أكثر فعالية من الدبلوماسية التقليدية، ما يجعل المجلس أداة لفرض "السلام الأمريكي" برؤية يمينية جديدة.
بديل للأمم المتحدة أم تقويض لها؟
تتصاعد المخاوف الدولية، خاصة في أوروبا والصين، من أن هذا المجلس يمثل "بداية النهاية" لمنظومة الأمم المتحدة. فبينما يمتلك الخمسة الكبار حق النقض (الفيتو) في نيويورك، يمتلك "رئيس المجلس" في هذا الكيان الجديد الكلمة الفصل وحده. يرى المحللون أن ترامب يسعى لاستبدال المؤسسات الدولية التي يصفها بـ "العاجزة والبيروقراطية" بائتلاف من "الدول الراغبة" التي تتماشى مع رؤيته، ما قد يؤدي إلى تفتيت الشرعية الدولية وتحويل الصراعات إلى ملفات تدار بعقلية الشركات الكبرى.
الخلاصة: العالم في مواجهة "النظام الشخصي"
إن مجلس السلام العالمي ليس مجرد هيئة إغاثية أو أمنية لغزة، بل هو محاولة لخصخصة النظام الدولي. تكمن خطورة (أو جاذبية) هذا المجلس في قدرته على تجاوز التعقيدات القانونية الدولية، لكنه يضع مصير الاستقرار العالمي في يد "فرد واحد" ومن يدفع أكثر، ما يجعلنا أمام مرحلة جديدة من الفوضى المنظمة التي قد تعيد رسم خريطة النفوذ في القرن الحادي والعشرين.