جاءت بدايات معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام مبشّرة، عاكسة حالة من الحراك الثقافي الذي افتقدناه لفترة، سواء على مستوى التنظيم أو حجم المشاركة أو تنوّع الفعاليات. وقد حقق المعرض نجاحًا ملحوظًا أعاد إليه مكانته كأحد أهم الأحداث الثقافية في المنطقة، وهو نجاح يعود بالأساس إلى التخطيط الجيد والإدارة الواعية بقيادة د. أحمد مجاهد الذى قاد تفاصيل المشهد باحتراف، ما أسهم في استعادة ثقة الجمهور والناشرين على حد سواء.
ويمثل معرض الكتاب فرصة عظيمة يلتقي خلالها القارئ المصري والعربي بكتّابه المفضلين، ويطّلع على أحدث الإصدارات من مختلف دول العالم، إلى جانب كونه مساحة مفتوحة للحوارات الفكرية والأنشطة الفنية والثقافية التي تستقطب جمهورًا واسعًا من مختلف الأعمار والاهتمامات. هذا الزخم يؤكد أن الرغبة في المعرفة لا تزال حاضرة، وأن المجتمع لم يفقد شغفه بالكتاب، رغم كل التحديات.
لكن السؤال الأهم الذي يفرض نفسه: هل يكفي معرض الكتاب وحده لتلبية احتياجاتنا الثقافية؟ وهل يمكن التعويل على حدث سنوي، مهما بلغت أهميته، لسد الفجوة المتزايدة في الوصول إلى المعرفة، خاصة في ظل ارتفاع أسعار الكتب وتراجع القدرة الشرائية لشرائح واسعة من المجتمع؟
من هنا تبرز الحاجة الملحّة إلى التفكير الجاد في إطلاق مشروع قومي للقراءة، يكون هدفه الأساسي إتاحة الكتاب للجميع، لا باعتباره سلعة ترفيهية، بل كحق أصيل من حقوق المواطن. وقد سبق أن نادينا بمثل هذا المشروع في فترات سابقة، خصوصًا مع ما نشهده من تراجع ملحوظ في معدلات القراءة، وانحسار دور الكتاب أمام زحف الوسائط السريعة.
ولعل تجربة «مكتبة الأسرة» تظل نموذجًا ملهمًا يمكن البناء عليه وتطويره بما يتناسب مع معطيات العصر. فهذا المشروع كان سببًا رئيسيًا في تثقيف عدة أجيال كاملة، وأسهم في تكوين مكتبات منزلية حقيقية داخل بيوت الطبقة المتوسطة، وخلق علاقة يومية بين المواطن والكتاب, فلم تكن مجرد مبادرة لتخفيض أسعار الكتب فقط ، بل مشروع تنموي ثقافي متكامل أعاد الاعتبار لفكرة القراءة المستمرة.
إن إعادة إحياء مشروع قومي للقراءة، برؤية جديدة وآليات حديثة، بات ضرورة وطنية لا تقل أهمية عن أي مشروع تنموي آخر.. مشروع يصل إلى القرى والنجوع، ويخاطب الأطفال والشباب، ويستثمر في الثقافة بوصفها أساس الوعي وبناء الإنسان , فالمعارض مهمة، والاحتفال بالكتاب ضروري، لكن الثقافة الحقيقية لا تُبنى في أيام معدودة، بل عبر مشروع مستدام يجعل القراءة جزءًا من الحياة اليومية للمجتمع.
وأرى أن إطلاق مشروع قومي جديد للقراءة ليس بالأمر الصعب، خاصة في ظل وجود تجربة ناجحة وراسخة مثل «مكتبة الأسرة»، التي أثبتت قدرة الدولة على إتاحة المعرفة وتحقيق انتشار واسع للكتاب بأسعار رمزية. فالجهة التي استطاعت تنفيذ هذا المشروع قادرة، بالخبرة ذاتها، على إعادة تقديمه أو تطوير نموذج مشابه يواكب متغيرات العصر ويحافظ على عناصر نجاحه.
وتمتلك وزارة الثقافة المصرية المقومات اللازمة لقيادة هذا المشروع بالتعاون مع دور النشر والمؤسسات الثقافية والتعليمية والمجتمع المدني، بما يضمن تنوع العناوين وجودتها، وإتاحتها بأسعار تتناسب مع الظروف الاقتصادية للمواطنين. ولا تقتصر أهمية المشروع القومي للقراءة على دعم الوعي الثقافي فحسب، بل تمتد إلى تعزيز الهوية الوطنية في مواجهة التغلغل المتزايد للثقافات الأجنبية. فإتاحة الكتاب الجاد تمثل أحد أهم أدوات حماية الوعي، وبناء مجتمع قادر على التفاعل مع العالم دون التفريط في ثوابته الثقافية.