مجدي شاكر: الأعياد عند قدماء المصريين نتاج الاستقرار السياسي والاقتصادي
قال الدكتور مجدي شاكر، كبير الأثريين بوزارة السياحة والآثار، إن فكرة العيد والاحتفال لدى قدماء المصريين لم تكن طقسًا عابرًا، بل انعكاسًا مباشرًا لحالة الاستقرار السياسي والاقتصادي التي عاشتها مصر عبر آلاف السنين، مؤكدًا أن الإنسان لا يستطيع أن يحتفل أو يفرح دون أن يشعر بالأمان، موضحًا أن الحضارة المصرية القديمة عرفت مفهوم العيد منذ عصور مبكرة جدًا، حين توافرت مقومات الحياة المستقرة من ماء ومناخ معتدل ودولة مركزية قوية، ما سمح بظهور طقوس احتفالية منظمة ارتبطت بالدين والزراعة والحياة اليومية.
الدولة المركزية والاستقرار
وأضاف شاكر، خلال لقاء على قناة الثانية المصرية، أن وجود دولة مركزية يحكمها ملك واحد، حتى وإن كانت العاصمة في طيبة بالأقصر، ساهم في ترسيخ فكرة الاستقرار، وهو ما انعكس على حياة الناس وسمح بانتشار الأعياد والاحتفالات، مضيفًا أن قدماء المصريين لم يكونوا يعيشون في حالة احتفال دائم كما يظن البعض، بل كان لديهم أعياد رئيسية كبرى، إلى جانب أعياد محلية لكل إقليم أو قرية مرتبطة بالمعبود المحلي، على غرار الموالد الشعبية في العصر الحديث.
وأكد كبير الأثريين، أن مصر القديمة عرفت ما يقرب من 168 عيدًا، موضحًا أن هذا العدد لا يعني التوقف عن العمل، وإنما تنوع المناسبات وتزامنها، حيث كانت هناك أعياد كبرى مثل عيد الأوبت، وعيد وفاء النيل، وأعياد النصر، وأعياد المعبودات الكبرى مثل آمون، وهذه الأعياد كانت تحمل معاني التجدد والخصوبة والفرح الجماعي، وكانت جزءًا أصيلًا من فلسفة الحياة لدى المصري القديم، الذي أحب الأرض والحياة واحتفى بهما.
«عيد الأوبت».. احتفال التجدد والخصوبة
وتحدث الدكتور مجدي شاكر، عن عيد الأوبت باعتباره أحد أهم الأعياد في مصر القديمة، حيث كانت تُنقل تماثيل المعبود آمون من معبد الكرنك إلى معبد الأقصر في احتفال يستمر من 14 إلى 23 يومًا، مشيرًا إلى أن تفاصيل هذا العيد لا تزال منقوشة على جدران معبد الأقصر، وتوضح الطقوس الدينية والمظاهر الشعبية المصاحبة من غناء ورقص وتقديم الطعام، مما يؤكد أن العيد لم يكن دينيًا فقط بل اجتماعيًا وإنسانيًا.
وأوضح أن المصريين القدماء عرفوا الدراما والمسرح منذ آلاف السنين، مشيرًا إلى مسرحية أبيدوس التي كانت تُعرض سنويًا في 15 كيهك، بمشاركة الجمهور والكهنة، واستمرت حتى القرن السادس الميلادي، مضيفًا أن أسطورة إيزيس وأوزيريس تمثل نموذجًا دراميًا متكاملًا يتناول الصراع بين الخير والشر، والوفاء، والخيانة، والانتقام، وهي عناصر درامية لا تزال حاضرة في الأعمال الفنية حتى اليوم.
استمرار الطقوس من الماضي إلى الحاضر
ولفت إلى أن كثيرًا من الطقوس الاحتفالية في مصر الحديثة ما هي إلا امتداد مباشر للممارسات القديمة، مستشهدًا بمولد سيدي أبو الحجاج في الأقصر، الذي يشبه في طقوسه عيد الأوبت من حيث الزفة وحمل المراكب واستعراض المهن، وهذه الاستمرارية الحضارية تمثل كنزًا ثقافيًا وسياحيًا لم يُستغل بالشكل الكافي، مطالبًا بوضع مثل هذه الاحتفالات ضمن الأجندة السياحية الدولية.
واختتم الدكتور مجدي شاكر كبير الأثريين بوزارة السياحة والآثار، حديثه بانتقاد الصورة التي قدمتها بعض الأعمال الدرامية عن الحضارة المصرية، مؤكدًا أن المصري القديم لم يعرف القرابين البشرية، وأن فكرة عروس النيل مجرد أسطورة متأخرة لا تستند إلى دليل أثري، حيث أنها لا تُقاس بقيمة الذهب أو الكنوز، بل بما تقدمه من معرفة ومعلومات، مشددًا على ضرورة الاستعانة بالمتخصصين عند تناول التاريخ في الدراما والسينما.
وأشار إلى أن مصر تمتلك قصصًا إنسانية وتاريخية قادرة على إبهار العالم، داعيًا إلى تدخل الدولة ودعم الإنتاج الفني الجاد الذي يعكس الهوية المصرية، حيث أن الاحتفاليات الكبرى مثل نقل المومياوات الملكية وطريق الكباش أثبتت أن مصر قادرة على تقديم حضارتها بصورة عالمية، إذا توفرت الإرادة والرؤية، بما يرسخ الانتماء الوطني ويعزز الوعي لدى الأجيال القادمة.

