حوار إنساني يجمع الطب والفن في جلسة «الشفاء خارج حدود العلم»
أقيمت داخل المتحف المصري الكبير، جلسة حوارية بعنوان «الشفاء خارج حدود العلم.. حيث يلتقي الطب بالفن والحكاية الإنسانية»، ضمن فعاليات معرض «فن القاهرة».
وجمعت الجلسة الطبيب اللبناني علي طاهر، المختص بأمراض الدم والأورام، مع الإعلامي اللبناني ريكاردو كرم، في حوار تأملي ناقش أبعاد الشفاء بوصفه تجربة تتجاوز التشخيص الطبي التقليدي، مع التركيز على العلاقة الإنسانية بين الطبيب والمريض والفن.
الفن والطب
في مستهل الحوار، وصف ريكاردو كرم طاهر بأنه نموذج يجمع بين الدقة العلمية والخيال الإنساني، وبين مهنة الطب وحساسية الفن، مؤكدًا أن الهدف هو استكشاف المنطقة المشتركة بين المريض كحالة طبية، والإنسان كحكاية حية. من جانبه، أوضح طاهر أن أهم ما تعلمه من ممارسة الطب هو الإصغاء العميق، وأن الإصغاء في الطب لا يقل أهمية عن الإصغاء في الفن، معتبرًا أن كل إنسان يحمل قصته الخاصة التي يجب فهمها قبل إصدار أي حكم طبي.
الحكاية قبل التشخيص
وأشار طاهر إلى أن الأرقام والتحاليل الطبية ضرورية للتشخيص، لكنها لا تكفي وحدها، وأن القلق والضعف والاحتياجات الإنسانية عناصر أساسية يجب التعامل معها بوعي. وأكد أن القصة الإنسانية تسبق التشخيص دائمًا، وأن الاستماع لمريضه بعناية يمنحه قدرة على فهم التجربة الإنسانية بشكل أعمق، بحيث يصبح التشخيص أداة لدعم الشفاء، وليس مجرد تقرير فني أو إحصائي.
الملاحظة والتأمل
لفت طاهر إلى أن الملاحظة الدقيقة هي أساس البحث العلمي كما هي أساس القراءة الفنية، وأن المختبر يمنحه الدقة، بينما تمنحه الملاحظة القدرة على الفهم العميق، مؤكداً أن كل إنسان يشبه لوحة فنية، وأن المرض جزء من هذه اللوحة، قد يكون مؤلمًا أو صادمًا، لكنه يظل تعبيرًا عن حياة كاملة ومتكاملة.
شدد طاهر على أن الصدق مع المريض هو جوهر الرعاية، وأن الحكاية تمثل عنصرًا مهمًا في العلاج، موضحًا أن المريض يحتاج إلى الدعم والأمل، وأن اختزال الإنسان في ضعفه يفقده إنسانيته. وأضاف أن التعاطف هو أعلى درجات الاحترام، وأن استغلال ضعف المريض يضر بالعلاقة الأخلاقية، وأن المريض الذي لا يشعر بالأمان لمشاركة حكايته لن يستطيع متابعة رحلة العلاج بنجاح.
الفن كمساحة للتواصل
وتطرق الحوار إلى الفن بوصفه مساحة للقاء والتأمل، مشيرًا إلى أن الفن ليس حدثًا عابرًا، بل وسيلة للتنفس وممارسة الإنسانية، وأن «آرت فير كايرو» يمثل منصة حية للحوار المستمر بين الإنسان والثقافة. وأضاف أن الصمت أحيانًا أعمق من الكلام، سواء في الفن أو الطب، حيث يمكن للصمت المسؤول أن يكون أداة تواصل قوية، بينما الصمت الهارب يمثل انسحابًا من المسؤولية الإنسانية.
الإنسان أولًا
أكد طاهر أن الهدف النهائي هو إنقاذ الإنسان دون المساس بكرامته، وأن التعامل مع أهل المرضى يختلف حسب كل حالة، ويتطلب مرونة وقربًا، مع تبسيط المعلومات ومشاركة الألم الإنساني، لا الاكتفاء بالدور المهني البحت. كما أشار إلى أن الفن ساعده على التحرر من الأحكام المسبقة، وتنمية العين التي ترى الجمال والقيمة، وأن امتلاك القلب والعين معًا يمنح القدرة على الإحساس العميق بالعالم.
الشفاء كرحلة
وحول مفهوم الشفاء، أكد طاهر أنه لا يقتصر على التعافي الجسدي، بل يشمل استعادة هوية الإنسان والتصالح مع الذات، حتى في حالات المرض المزمن أو الاقتراب من الموت، موضحًا أن رحلة العلاج بحد ذاتها تحمل معنى الشفاء، وأن التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي أداة مساعدة لكنها لا تستطيع تعويض التعاطف البشري.
الإصغاء كقيمة أساسية
اختتم طاهر حديثه بالتأكيد على أن الإصغاء هو القيمة الوحيدة التي لا يمكن المساومة عليها في الطب والفن، سواء كان بالصمت الفني أو بالاستماع لألم المريض. وأضاف أن قبول الآخر وعدم القسوة على الإنسان الهش هي الدروس الإنسانية الكبرى التي تعلمها من المرضى، وأن لكل إنسان حكاية تُعزز إنسانيته وتذكرنا بأن الرحلة العلاجية تتجاوز التشخيص لتصبح تجربة إنسانية متكاملة.