فلاديمير بادرينو... صانع التوازن العسكري في فنزويلا بعد سقوط مادورو|تقرير
برز الجنرال فلاديمير بادرينو لوبيز، القائد العام للقوات المسلحة الفنزويلية ووزير الدفاع المخضرم، بوصفه أحد أكثر الشخصيات تأثيرًا في المشهد السياسي والعسكري لفنزويلا في المرحلة التي أعقبت اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو.
فبعد سنوات طويلة من الولاء الصارم للنهج التشافيزي، تحول بادرينو اليوم إلى ركيزة أساسية تعتمد عليها الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريجيز في إدارة مرحلة شديدة الحساسية، تتسم بالهشاشة السياسية والضغوط الخارجية غير المسبوقة، وفقًا لوكالة "فرانس برس".
إعلان دعمه العلني لنائبة الرئيس السابقة
ومع تنفيذ العملية الأمريكية في الثالث من يناير، التي انتهت باعتقال مادورو وأحدثت صدمة عميقة داخل أوساط الجيش والمؤسسات الأمنية، سارع بادرينو، بوصفه أعلى العسكريين رتبة في البلاد، إلى إعلان دعمه العلني لنائبة الرئيس السابقة.
وقد شكل هذا الموقف نقطة ارتكاز أساسية لبقاء الحكومة الانتقالية، إذ بات واضحا أن تماسك السلطة الجديدة مرهون بمدى قدرة رودريجيز على كسب ولاء المؤسسة العسكرية، وهو أمر لم تنجح في بنائه بنفسها خلال مسيرتها السياسية.

معرفة عميقة ببنية القوات المسلحة
ويؤكد الجنرال المتقاعد هيبرت جارسيا، الذي شغل سابقا منصب وزير في حكومة مادورو قبل انشقاقه عنها، أن بادرينو يمتلك معرفة عميقة ببنية القوات المسلحة وآليات عملها، ما يجعله الضامن الحقيقي للسيطرة عليها.
ويضيف أن العلاقة التي كانت تربط مادورو بالمؤسسة العسكرية لم تكن مباشرة، بل كانت تمر أساسا عبر بادرينو، في حين لم تحظ ديلسي رودريجيز يوما بروابط متينة مع الجيش.
وفي خطوة تعكس إدراكها لأهمية هذا الدور، أبقت رودريجيز على بادرينو لوبيز، البالغ من العمر 62 عام، في منصبه وزيرا للدفاع، كما حافظت على الجنرال دومينجو هرنانديز لاريس قائد للقيادة الاستراتيجية العملياتية.
وفي المقابل، أجرت تغييرات محدودة لكنها لافتة، شملت استبدال قائد الحرس الرئاسي ورئيس جهاز مكافحة التجسس، إلى جانب تغيير 12 قائد من أصل 28 على مستوى القيادات الإقليمية.

الحفاظ على تماسك الجيش ومنع انقسامه
ويعد بادرينو من أبرز المقربين للرئيس الراحل هوجو تشافيز، ومن المدافعين عن مفهوم "الوحدة المدنية العسكرية" الذي يدمج القوات المسلحة في صلب المشروع السياسي للدولة، باعتبارها الذراع التنفيذية للسلطة.
ويرى جارسيا أن بادرينو أظهر براعة لافتة خلال السنوات الماضية في الحفاظ على تماسك الجيش ومنع انقسامه أو انزلاقه نحو سيناريوهات انقلابية، رغم الأزمات العميقة التي عصفت بحكم مادورو.
الرئيسة المؤقتة أكثر هشاشة
في المقابل، تبدو الرئيسة المؤقتة أكثر هشاشة، بل "في وضع خطر"، بحسب توصيف مصادر دبلوماسية، نظرا لعدم إحكام سيطرتها على الأجهزة الأمنية، رغم ما تحظى به من دعم ورعاية أمريكية.
وقد باشرت رودريجيز منذ توليها السلطة تحول جذري في علاقة كراكاس بواشنطن، منهية قطيعة دامت نحو 27 عامًا. ففي غضون أسابيع قليلة، جرى توقيع اتفاقيات نفطية، والإفراج عن عدد من السجناء السياسيين، والعمل على إعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.

سياسات أثارت اتهامات واسعة بالفساد
غير أن هذا الانفتاح يصطدم بإرث ثقيل من الخطاب المعادي للإمبريالية، الذي لا يزال متجذر في التيار التشافيزي وقيادة الجيش العليا، وتفاقمت حدته عقب العملية الأميركية التي اعتبرت إهانة مباشرة للسيادة الوطنية.
ولضمان ولاء العسكريين في السابق، كان مادورو قد منحهم نفوذ واسع داخل قطاعات اقتصادية وإدارية حساسة، من شركات خاصة إلى الجمارك ووزارات سيادية، وهي سياسات أثارت اتهامات واسعة بالفساد واستغلال السلطة.
سيرة تجمع بين الصرامة العسكرية والملامح الإنسانية
وعلى المستوى الشخصي، يتمتع فلاديمير بادرينو لوبيز بسيرة تجمع بين الصرامة العسكرية والملامح الإنسانية. فهو أب لطفلين، يعشق الموسيقى الفنزويلية التقليدية والقراءة، وقد حمل اسمه تأثر بإعجاب والده بالثوري الروسي فلاديمير لينين. وقد صرح في أكثر من مناسبة أن والده كان يرى في الثورة السوفياتية نموذجًا يحتذى.

هوجو تشافيز كان بالنسبة إليه أستاذ ومرشد
ويروي بادرينو أن دخوله الحياة العسكرية جاء "بفعل العناية الإلهية"، بعدما رافق صديق له إلى الأكاديمية العسكرية، إذ لم يقبل الصديق بينما اجتاز هو الاختبارات بنجاح. وخلال عامه الأول، تعرف إلى هوجو تشافيز، الذي كان بالنسبة إليه أستاذ ومرشد، وظل تأثيره حاضر في مسيرته حتى بعد توليه مناصب سياسية رفيعة، حيث اعتاد الاحتفاظ بزيه العسكري حتى أثناء أداء مهامه الوزارية.
وشكل موقفه خلال انقلاب عام 2002 محطة فارقة في مسيرته، عندما رفضت الكتيبة التي كان يقودها في كراكاس الانضمام إلى الانقلاب الذي أطاح تشافيز مؤقتًا. ويتذكر بادرينو مكالمة هاتفية تلقاها آنذاك من تشافيز، دعاه فيها إلى منع الاقتتال الداخلي والبقاء في الثكنات. وبعد فشل الانقلاب، كافأه تشافيز على ولائه، ما فتح أمامه طريق الصعود داخل هرم القيادة العسكرية.

اشتراكي، ثوري ومعادي للإمبريالية
ومنذ ذلك الحين، دافع بادرينو عن رؤية أيديولوجية تعتبر الجيش "بوليفاري، اشتراكي، ثوري ومعادي للإمبريالية"، وتولى أدوار محورية، من بينها الإشراف على خطط التموين خلال أزمة 2016 الخانقة. وفي عام 2024، وقف مجددا إلى جانب مادورو عقب إعادة انتخابه المثيرة للجدل.
واليوم، يرى مراقبون، من بينهم الجنرال المتقاعد جارسيا، أن الدور الأهم لبادرينو يتمثل في تثبيت تماسك القوات المسلحة وإبعادها تدريجيا عن الاستقطاب السياسي، تمهيدا لإعادتها إلى إطارها المؤسسي، في محاولة لحماية الدولة من الانزلاق إلى فوضى أعمق في مرحلة ما بعد مادورو.

