رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت
 عمرو فاروق- باحث
عمرو فاروق- باحث في شؤون الجماعات الأصولية والأمن الإقليمي

يعلم الكثير أن 25 يناير 2011 كان بمثابة بداية التصعيد النهائي لتيارات الإسلام السياسي على قمة المشهد السياسي في مصر وعدد من الدول العربية، عقب مشروع إسقاط الأنظمة الحاكمة وفق الاستراتيجية الأمريكية المعروفة بـ"الفوضى الخلاقة" التي أعلنت عنها وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس عام 2005، والتي فضحت المشروع التوظيفي للجماعات الأصولية، وأنهت أسطورة طرحهم كبديل سياسي جاهز في إطار فشلهم في الانتقال من "فقه التنظيم" إلى "فقه الدولة".

لكن الحقيقة أن 25 يناير يمثل تاريخًا مهمًا للجماعات الأصولية في محاولة صناعة بروفة لإعلان قيام الثورة الإسلامية في مصر عام 1990، وذلك على يد الجماعة الإسلامية التي دخلت في صدام حاد مع النظام السياسي في مرحلة الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي.

لعب الشيخ عمر عبد الرحمن دورًا مهمًا في التمهيد لصناعة هذه الأحداث، إذ اتجه مبكرًا إلى محافظة الفيوم في منتصف الستينيات من القرن الماضي، وعمل إمامًا وخطيبًا بأحد مساجد الأوقاف بمركز "سنورس"، وتوطدت علاقته بقيادات الجماعة الإسلامية بمحافظات الصعيد، وتم اختياره أميرًا للجماعة.

كان عبد الرحمن قد تمكن من تكوين قاعدة جماهيرية في ظل اعتياده إلقاء الخطب السياسية التحريضية من أعلى منابر مساجد الفيوم، مثل مسجد "التقوى" بالنويري، ومسجد "الشهداء" بتقسيم مصطفى حسن، وعقب تولي الرئيس السادات مقاليد الحكم، أفتى بتكفيره، وهي الذريعة التي استند إليها قتلة السادات في اغتياله عام 1981.

منهجية تكفير الحاكم وحتمية المواجهة المسلحة مثلت مرجعية أساسية في خطبه وكتبه، إذ أصدر كتاب "كلمة حق" الذي تضمن مرافعته في قضية "تنظيم الجهاد" رقم 84 لسنة 1982 (أمن دولة عليا). وفي إطار التمدد الجغرافي والتنظيمي للجماعة الإسلامية، شكلت مجموعات "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" في نهاية عام 1986، وتوسع نشاطهم بالمدن الكبرى وانتشروا في القرى بالأقاليم المصرية، واعتدوا على المارة في طرقاتها وحواريها، وأغلقوا عددًا من المحال التجارية والمؤسسات بحجة المخالفة الشرعية.

حظيت القاهرة حينها بتمركزات ملحوظة لقواعد الجماعة الإسلامية، وعناصر من تنظيمات الجهاد، في منطقة عين شمس، إذ تحول مسجد "منشية التحرير" مقرًا لها، ودخلوا في صدام عنيف ومباشر مع قوات الأمن في يوم 12 أغسطس 1988، واشتبكوا مع الأهالي، أمثال حازم الحسيني، وأكرم هريدي، وبركات هريدي، ومحمد عبد الرؤوف نوفل، وإسماعيل رفاعي، حيث أحرقوا إطارات السيارات، وألقوا كرات اللهب والحجارة على قوات الأمن، عقب خطبة ألقاها عمر عبد الرحمن وصف فيها قوات الأمن بأنهم "جنود فرعون".

في إطار حالة التصعيد المستمرة بين التيارات الأصولية المتطرفة والمشهد الداخلي المصري، حرضت مجموعات "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" التابعة للجماعة الإسلامية على منع عرض مسرحية "أصل وخمسة"، التي تم الإعلان عنها بنقابة المهن الزراعية بمحافظة الفيوم، وذلك في مارس 1989. وهددوا الجماهير بقوة السلاح، وألقوا "قنابل المولوتوف" على سرادق العرض، وأصابوا عددًا من الضباط والمواطنين.

دارت عقبها اشتباكات بين مجموعات "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" وقوات الداخلية المصرية، إثر حشد الجماعة الإسلامية لقياداتها وعناصرها محملين بالأسلحة النارية، وألقوا زجاجات مليئة بمياه النار على رواد سينما عبد الحميد بميدان السواقي في الفيوم، وعبوات ناسفة على حفل للمرضى بمستشفى الفيوم العام، وتم القبض على بعضهم في قضية عرفت بـ"أحداث شغب الفيوم".

إلا أن هذه الإجراءات زادت من تصاعد المواجهة في ظل تجدد الاشتباكات بين مجموعات "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" وقوات الأمن المصري في بداية شهر يناير 1990، بعد إطلاق النيران على قوات الشرطة من قبل عناصر مختبئة داخل مسجد "الشهداء" بالفيوم، ما أسفر عن إصابة مأمور قسم شرطة الفيوم. بجانب قيام مجموعة أخرى بإشعال النيران في ثلاث صيدليات، وعدة منازل وسيارات ومحلات مملوكة للأقباط، وإلقاء عبوة ناسفة وإطلاق نيران على قوة تأمين "كنيسة العذراء" بقرية سنهور القبلية التابعة لمركز سنورس.

في سياق الأزمة، قبضت قوات الأمن على عمر عبد الرحمن و15 من أتباعه، وبحوزتهم كمية كبيرة من الأسلحة النارية، وقررت النيابة حبسهم بتهمة مقاومة السلطات واستغلال الدين في ترويج العنف، وحيازة أسلحة نارية، والشروع في قتل مأمور قسم شرطة الفيوم آنذاك.

في إطار حالة "الندية" التي تعاملت بها الجماعة الإسلامية مع قوات الأمن المصري في تلك المرحلة، نتيجة تمددها وقدرتها على صناعة حواضن شعبية تحت لافتة تطبيق الشريعة والترويج لخطاب ديني يناهض السلطة الحاكمة، وقيامها باللعب على وتر تهيج الرأي العام، عملت على تحويل الأزمة الجنائية إلى صراع ديني، في محاولة لإسقاط مؤسسات الدولة والتمهيد لإعلان قيام "الثورة الإسلامية"، من خلال محاصرة الرئيس مبارك اثناء القاء كلمته في الاحتفال بعيد الشرطة في يناير 1990، وذلك ردًا على الإجراءات التي اتخذها ضدهم اللواء زكي بدر.

فقاموا بتجييش قواعدهم في مظاهرات لاستعراض القوة أمام الأجهزة الأمنية، واستولوا على عدد من المساجد الكبرى بالمحافظات، وخططوا لمحاصرة عدد من المؤسسات الفاعلة، من بنيها مقر أكاديمية الشرطة ومقر الإذاعة والتليفزيون، وعدد من مقرات الأمن الوطني، وأطلقوا النيران في مختلف الاتجاهات بشكل عشوائي، وكسروا واجهات المحلات وأصابوا مواطنين.

وفي إطار تفويت الفرصة التي تم التخطيط لها، توسطت قيادة أمنية بين رموز النظام السياسي وقيادات الجماعة الإسلامية، من قبيل تهدئة المشهد الداخلي، - وفقًا لما صرح به عاصم عبد الماجد ووفقا لما نشرته الصحف المصرية حينها-، فقاموا بتصعيد مطالبهم بإقالة وزير الداخلية اللواء زكي بدر، وتقديمه للمحاكمة، والإفراج عن عمر عبد الرحمن وأعضاء الجماعة الإسلامية، فتم خلال ذلك الاستجابة لإقالة وزير الداخلية وتعيين اللواء عبد الحليم موسى، الذي عقد اتفاقًا مع عمر عبد الرحمن يقضي بالإفراج عنه مقابل مغادرته البلاد قبل الحكم عليه في عدد من القضايا التي تورط فيها.

في هذه الأثناء تقدم عمر عبد الرحمن بطلب إلى السلطات المصرية للذهاب إلى نيويورك، التي عمل فيها إمامًا لمسجد "الفاروق" في ضاحية "بروكلين"، ليتم إدانته في تفجير مركز التجارة العالمي في نيويورك عام 1993، ليلقى عقوبة السجن مدى الحياة عام 1995، ويتوفى عن عمر يناهز الـ79 عامًا في فبراير 2017.

عمرو فاروق*

كاتب وباحث في شؤون الجماعات الأصولية وقضايا الأمن الإقليمي

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء