رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

 

نقلت القنوات والإذاعات المصرية شعائر صلاة الجمعة من المسجد الرئيسي بقرية أم صابر بمحافظة البحيرة، بحضور الدكتور أسامة الأزهري وزير الأوقاف، والمستشار محمود فوزى وزير شؤون المجالس النيابية، ومحافظ البحيرة، ونخبة من الإعلاميين والنواب بينهم الأساتذة مصطفي بكري و أحمد موسى و نشأت الديهي وغيرهم من  نواب وصحفيين، وانتهت الخُطْبة دون أن يذكر خطيب الجمعة شيء عن صاحبة هذا الاسم الذي سميت باسمها القرية "أم صابر"؛ وماهي قصتها وسبب إطلاق اسمها على قرية في محافظة البحيرة؛ أما الاسم الحقيقي لأم صابر فهو"عائشة محمد إبراهيم فرج" الشهيرة بـ"أم صابر" سيدة بسيطة لم تكن تبحث عن بطولة أو مجد شخصي.

 


كانت فلاحة مصرية عادية تعيش في قرية  "صلاح الدين" بمركز بدر في محافظة البحيرة ضمن مشروع  "مديرية التحرير" الذي وُلد بعد ثورة يوليو 1952، حاملًا حلم الخلاص من الفقر والاستعمار معًا، كانت أرض جديدة، وأمل جديد لوطن يستعيد نفسه.


لكن الاحتلال البريطاني، الذي كان يلفظ أنفاسه الأخيرة في مصر، لم يتخل عن غطرسته، فمع تصاعد عمليات الفدائيين في منطقة القناة، امتدت يد القمع إلى القرى، وبدأت حملات التفتيش والمداهمات، في محاولة لكسر إرادة الشعب الذي قرر الخلاص والاستقلال التام.

 

 في عام 1954 داهمت القوات البريطانية القرية، مدججة بكل أنواع الأسلحة، واثقة من أن الخوف كفيل بإخضاع  أهل القرية، لكنهم لم يحسبوا حساب اضعف من في القرية، المرأة الريفية، التي خرجت من بين البيوت الطينية لتقول"لا" بملء الصوت.

 


لم تقف أم صابر متفرجة؛ بل دافعت عن أرضها وبيتها وكرامة قريتها، بعض الروايات تقول إنها حملت سلاحًا بسيطًا، وأخرى تؤكد أنها كانت تحرض الفلاحين على المقاومة وعدم الاستسلام، و في كل الأحوال كانت تقف في الصف الأول، بجسدها النحيل وقلبها الصلب، تواجه جنود إمبراطورية هي الأقوي في الكون كله.

 


وفي يوم 15 أغسطس 1954، أطلق الجنود البريطانيون الرصاص عليها، فسقطت أم صابر شهيدة، لتصبح أول شهيدة للمقاومة الشعبية في مديرية التحرير بعد الثورة، سقط الجسد، لكن الحكاية بدأت.

 


فلم يكن استشهاد أم صابر حدثًا عابرًا، فقد التقطت الذاكرة الوطنية تلك اللحظة سريعًا، وحولتها إلى رمز، وصدر قرار بتسمية القرية باسمها"قرية أم صابر" في اعتراف رسمي بأن هذه الفلاحة البسيطة جسدت معنى الدفاع عن الوطن.

 


ثم زار قادة ثورة يوليو القرية، وكتبت الصحف عنها بوصفها "الرد الشعبي"على الاحتلال، وتناقلت قصتها، لا باعتبارها مأساة، بل باعتبارها درسًا، ودخل اسمها إلى الأدب والشعر، شاهدًا على أن الفلاح المصري لم يكن يومًا على هامش التاريخ، بل في قلبه.

 


تكمن القيمة الحقيقية لقصة أم صابر في أنها كسرت الصورة النمطية للمقاومة، فقد أثبتت أن النضال لم يكن حكرًا على المدن، ولا على العسكريين، بل كان روحًا تسري في كل شبر من أرض مصر من الريف، للمدن ومن الرجال والأطفال والشباب للنساء.


أم صابر لم تحمل شعارًا سياسيًا، ولم تلق خطابًا، لكنها قدمت ما هو أصدق، -  التضحية بروحها، وحين نتأمل سيرتها اليوم، ندرك أن الأوطان لا يحميها السلاح وحده، بل تحميها القلوب التي تعرف متى تقول  “نعم للحياة”، ومتى تقول  “ لا  للذل”، ولو كان  الثمن الروح.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء