رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

 

 

 
ميز الله الإنسان وفضله على سائر مخلوقاته بنعمة العقل التي هي من أجل النعم التي أنعم الله بها على البشر، وهو أثر من أثار النفخة الروحية الواردة في قوله تعالى "فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ" (سورة الحجر، آية: 29").

 

 فبالعقل يميز الإنسان بين الخير والشر والنافع والضار، ويهتدي من خلاله إلى إدراك عظمة الخالق سبحانه وتعالى وقدرته. ومن هذا المنطلق، أولت الشريعة الإسلامية عناية خاصة بحماية العقل وصونه، وجعلت ذلك مقصدًا أصيلًا من مقاصدها، كما دعت إلى حريته في الاجتهاد والتجديد المستمر، وفق ضوابط وقواعد عقلية راسخة في مختلف مجالات العلم والمعرفة. 

 


وأكد علماء الأمة قديمًا وحديثًا مكانة العقل وأهمية إطلاق حريته بعيدًا عن الجمود أو الحجر، فعدّه الجاحظ وكيل الله عند الإنسان، ووصفه الإمام الغزالي بأنه أنموذج من نور الله، بينما اعتبره الدكتور محمود حمدي زقزوق جوهر الإنسان وحقيقة تميّزه.


وكان الخوف على العقل الإنساني قديمًا منصبًّا على تأثره بالعقل البشري الآخر، فكان القلق يدور حول حماية عقول أبنائنا من محاولات غسيل الدماغ التي أتقنها أصحاب الفكر المنحرف، ممن يستدرجون الشباب إلى مسالك العنف والتطرف أو إلى آفة المخدرات والإدمان.


ومع ظهور الهواتف المحمولة البدائية، بدأ يتشكّل نوع جديد من القلق تمثّل في إدمان الألعاب الإلكترونية، ثم ازداد هذا الخوف وتعمّق مع انتشار الهواتف الذكية وتدفّق ملايين الصفحات والحسابات عبر منصّات التواصل الاجتماعي.

 


ومع هذا التحوّل، لم يعد الأمر مجرد ترفيه، بل أصبح صناعة قائمة على تقنيات مدروسة لجذب ملايين المتابعين في شتّى المجالات، إلى حدّ بات فيه الحديث عن العمل في مواقع التواصل يفوق ممارسة العمل ذاته، وأصبح الهوس بسماع قصص النجاح يفوق السعي الحقيقي لتحقيقه. 

ونتيجة لذلك، فقدت معظم تلك القصص كثيرًا من قدرتها على الإلهام، وتحولت من أدوات تحفيز وبناء إلى مجرد وسائل للتسلية والاستهلاك، بعيدة عن الغاية التي أُنشئت من أجلها.

 


وينطبق الأمر ذاته على مقاطع الفيديو التي تُقدَّم تحت عناوين تعليم فنون الطهي، أو ممارسة الرياضة، أو تنسيق القوام، بل وحتى تلك التي تُعنى بغرس الأدب والأخلاق؛ إذ انتهى الحال في كثير منها إلى تعطيل العقول وإضعاف ملكة التفكير، وإهدار ساعات لا تُحصى أمام شاشات الهواتف. ومع مرور الوقت، تحوّل تصفّح الهاتف من مجرّد وسيلة عابرة إلى حالة من الإدمان شملت الكبار قبل الصغار، فأثّر ذلك سلبًا في الوعي والإنتاجية وجودة الحياة اليومية. 

 


ثم جاء الذكاء الاصطناعي بتطبيقاته المتسارعة ليقتحم البيوت الصغيرة قبل الكبيرة، والفقيرة قبل الغنية، ويصل إلى قرى ونجوع في بلدان لم تتمكن من الوصول إليها حتى كبرى المنظمات الدولية، وكل ذلك في ظل غياب الوعي بأساليب الاستخدام الرشيد لهذه التقنيات. 

فرأى فيه كثيرون وسيلة أسهل وأيسر تُغني عن إعمال العقل وبذل الجهد الذهني، فبدأ التعامل معه بدافع التجربة، لكن إغراء توفير الوقت والطاقة سرعان ما حوّل تلك التجربة إلى اعتماد شبه كلي. 

 

ومع مرور الوقت، ومع اعتياد إراحة الذهن، ضعفت ملكة التفكير وتراجع المستوى الذهني تدريجيًا، الأمر الذي أفقد بعضهم الثقة في العقل الإنساني ـــــ تلك الثقة التي تشكّلت عبر تاريخ طويل من العمل والاجتهاد ـــــ في مقابل تنامي الثقة في الآلة. 

 

وهكذا تحوّل استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي إلى نمط من الإدمان يُضاف إلى إدمان الألعاب الإلكترونية ووسائل التواصل والهواتف الذكية، حتى غدت هذه التطبيقات بمثابة الخادم الأكثر تلبيةً لطلبات البشر. 

 


إن الأمر خطير للغاية، وليس المقصود من هذا الطرح الدعوة إلى الاستغناء عن الذكاء الاصطناعي، فذلك أمر غير واقعي ويتعارض مع سنن الحياة ومسار التطور، كما يؤدي إلى العزلة والتخلف عن ركب العالم المعاصر.

 

 وإنما المقصود هو الدعوة إلى التعامل الرشيد مع هذه التقنيات، في إطار الوعي بأنها نتاج العقل البشري وصنيعة فكره، لا بديلًا عنه ولا نقيضًا له؛ فالعقل هو أعظم ما يملك الإنسان، وإذا فقده أو عطّله فقد جوهر إنسانيته وأساس تميّزه. حفظ الله شبابنا ومجتمعاتنا من كل سوء.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء