لا يعد معرض القاهرة الدولي للكتاب مجرد حدث عادي، بل اعتدنا عليه منذ سنوات طويلة أنه أقرب للاحتفالية الكرنفالية الشعبية، وأقرب ما يكون لفكرة المولد، مولد لمحبي الأدب والفكر والفن وحرافيش الثقافة، يتوجه إليه كل محبي ومريدي الإبداع وعشاق الكتب. وحين كان المعرض يقام في أرض المعارض بمدينة نصر في السابق، كانت بعض الأسر تعتبره نزهة سنوية، وكانت زيارته واجبة ومحببة ومسلية ومفيدة.
من يزور معرض الكتاب في مكانه الجديد بأرض المعارض في التجمع، سيجد أنه ما زال إلى حد كبير يحتفظ بسمته الأسري الحميمي المحبب إلى الجمهور، فهناك من يعتبره فسحة أو نزهة سنوية ويتوجه إليه لقضاء الوقت والاستمتاع بأجواء مرحة ولطيفة وبفرق موسيقية متعددة وفقرات فنية متنوعة. لكن تبقى معضلة مهمة، وهي الوظيفة الحقيقية للمعرض وقدرتها على نشر الثقافة والأدب والإبداع.
بخلاف قلة إقبال الجمهور العادي على حضور الفعاليات الثقافية والأدبية والفكرية وإقباله على الفعاليات الفنية والموسيقية وعروض الشارع، لا تزال أزمة أسعار الكتب تلقي بظلالها على حجم البيع والشراء وإمكانيات الاستفادة من المعرض حتى بعد الخصومات الكبيرة التي تقدمها دور النشر بهذه المناسبة.
في جولة صغيرة قمت بها في بعض الدور وجدت متوسط أسعار الكتب يتراوح بين 100 إلى 400 جنيه، وحين سألت عن رواية معينة في دار نشر عربية وجدت سعرها 550 جنيها بعد الخصم وكان السعر الأول 800 جنيه، فهمت طبعا من البائع أن سعر الكتاب يتم تقييمه بالدولار. حتى في سور الأزبكية الذي يعد الملاذ الأمثل لمحدودي الدخل والبسطاء وحرافيش الثقافة، فوجئت بأسعار الكتب هناك ترتفع إلى 50 و100 جنيه، بعد أن كانت الكتب نفسها في السنوات السابقة لا يزيد سعرها على 20 أو 30 جنيها.
وتظل الهيئات والجهات التابعة لوزارة الثقافة هي المساحة الأرحب والأوفر والأرخص في سعر الكتاب، فقد اشتريت نحو 7 أو 8 كتب للأطفال ومن الشعر والرواية ولم يتجاوز سعرها 70 جنيها، ولكن في المقابل لم أجد الكتب المهمة التي أصدرتها الهيئة العامة للكتاب من قبل، مثل موسوعة مصر القديمة لسليم حسن أو كتاب شخصية مصر لجمال حمدان الذي صدر من قبل واختفى فجأة، ولم يتمكن الكثيرون من الحصول عليه، ويبدو أن هيئة الكتاب لم تفكر في طباعته مرة أخرى رغم الإقبال الكبير عليه.
بشكل شخصي فرحت جدا بالمبادرة التي أطلقتها وزارة الثقافة بتخصيص حقيبة كتب بسعر رمزي للجمهور، مائة جنيه للحقيبة التي تضم 20 كتابًا، لتكوين "مكتبة لكل بيت" هذا هو اسم المبادرة، فضلًا عن "حقيبة نجيب محفوظ" التي تضم مؤلفات عنه ومعه وليست له، ولكنني حين توجهت في اليوم الأول للمعرض وكلي شغف لمعرفة محتويات الحقيبة الأولى في هيئة الكتاب، فوجئت بعناوين قديمة وطبعات شبه تالفة لكتب لم أجدها ذات قيمة كبيرة، فهي على الأرجح كتب من المخازن، مر على إصدار بعضها ما يزيد على عشرين عامًا، ليبدو الأمر وكأنه لا توجد رغبة حقيقية في خدمة القراء أو الزوّار بقدر ما توجد رغبة في التخلص من هذه الكتب التي ربما تسبب زحامًا وتكدسًا في مخازن الهيئات التابعة لوزارة الثقافة دون طائل.
وجدت أيضا أن العشرين كتابًا الموجودين في الحقيبة مصنفين وجاهزين للبيع ولا توجد فرصة للاختيار بين العناوين، فعليك أن تأخذ حقيبة الأطفال أو الكبار أو الشباب بالعناوين الجاهزة المربوطة في حزمة واحدة، فأين ميزة الاختيار بين ألف عنوان التي تم الإعلان عنها؟
هنا تذكرت أن المعرض في إحدى السنوات الماضية وقت تولي الكاتب الصحفي حلمي النمنم وزارة الثقافة كان قد خصص خيمة أو مخيمًا للتخفيضات، أرشدني لها بعض الأصدقاء، والطريف في المسألة أنها كانت تقريبا أكثر المخيمات زحامًا في المعرض، وكانت ترفع شعارًا واحدًا مغريًا للغاية "الكتاب بجنيه"، وبالفعل حصلت على كتب رائعة وقيمة بهذا السعر، بل وحصلت على كتب تراثية لم أكن أحلم باقتنائها مثل تاريخ الجبرتي وأجزاء من الفتوحات المكية لم يتجاوز سعر الكتاب 3 جنيهات، وحين سألت أصدقاء عن سر هذه التخفيضات الكبيرة قيل لي بلفتة ظريفة من أحد الأصدقاء، لا أعرف إن كان حقيقة أم تخمينًا، إنهم فتحوا المخازن وقرروا التخلص مما فيها، وليقرأ الناس بدلًا من أن تأكل الفئران الكتب.
أتمنى أن تعود هذه الفكرة في المعرض الحالي المستمر حتى 3 فبراير، أو على الأقل تخصص مساحة بكل هيئة تابعة للوزارة لينتقي كل زائر العشرين كتابًا التي يريدها بتنويعات مختلفة بالسعر المحدد لحقيبة المعرض.