رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

لماذا ترفض الدنمارك بيع "جرينلاند"؟ وماذا سيحدث إذا هاجمها ترامب؟

جرينلاند
جرينلاند

شهدت الأيام الماضية تصعيداً غير مسبوق في منطقة القطب الشمالي، بعد أن أرسلت الدنمارك وسبع دول أوروبية وحدات عسكرية رمزية للمشاركة في مناورات فوق أراضي جزيرة جرينلاند، ويأتي هذا التحرك رداً على التهديدات العلنية التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي لم يعد يخفي رغبته الجامحة في ضم الجزيرة الغنية بالموارد الطبيعية إلى السيادة الأمريكية، ملوحاً باستخدام "الطريقة الصعبة" إذا لم يوافق الحلفاء "بالطريقة الحسنة".

 

لماذا تنتمي الجزيرة للتاج الدنماركي؟

وأوضحت صحيفة “البايس” الإسبانية، أنه خلافاً لادعاءات ترامب بأن السيادة الدنماركية مجرد "صدفة تاريخية" لمرور سفينة قبل 500 عام، يعود السيطرة الفعلية لكوبنهاجن إلى قرابة ثلاثة قرون؛ حيث كانت البداية في عام 1721، قاد المبشر اللوتري هانز إيجيد بعثة لاستكشاف الجزيرة وتعميد سكانها الأصليين.

وجاء التحول السياسي عندما توقفت جرينلاند عن كونها "مستعمرة" في عام 1953 لتصبح جزءاً رسمياً من المملكة الدنماركية، وحصل سكانها على الجنسية الكاملة.

هوس أمريكي قديم: من ترومان إلى ترامب

ليست فكرة شراء جرينلاند "نزوة" عابرة لترامب، بل هي إحياء لطموحات واشنطن التاريخية عام 1867، كشف  تقرير لوزارة الخارجية أكد ضرورة شراء آيسلندا وجرينلاند لأسباب عسكرية وتجارية.

وعام 1917 نجحت واشنطن فعلياً في شراء جزر "فيرجن" من الدنمارك مقابل 25 مليون دولار، وعام 1946عرض الرئيس هاري ترومان 100 مليون دولار من الذهب لشراء جرينلاند، لكن الدنمارك رفضت، والآن يرى ترامب أن السيطرة على الجزيرة "ضرورة مطلقة للأمن القومي" لمواجهة النفوذ الروسي والصيني المتزايد في القطب الشمالي.

القيمة الجيواستراتيجية: "الكريوليت" و"القبة الذهبية"

تعتبر جرينلاند مفتاحاً للسيطرة على الأجواء بين القارات. فخلال الحرب العالمية الثانية، كانت منجم "الكريوليت" في الجزيرة المصدر الوحيد لإنتاج الألمنيوم اللازم لصناعة الطائرات الحليفة. اليوم، تبرز أهمية الجزيرة في الدفاع الصاروخي، حيث استضافة قاعدة "بيتوفيك" (ثول سابقاً)، وهي حجر الزاوية في نظام الإنذار المبكر الأمريكي.

ولا يمكن استبعاد الموارد الدفينة مع ذوبان الجليد، تنكشف ثروات هائلة من المعادن النادرة والنفط والغاز التي يسعى الجميع للسيطرة عليها.

المعضلة القانونية: هل تدافع "الناتو" عنها؟

تطرح التهديدات الأمريكية تساؤلاً قانونياً شائكاً: ماذا لو هاجمت أمريكا حليفاً؟، خاصة وأن المادة 5 (الناتو): يرى الخبراء أنها قد لا تُطبق إذا كان المعتدي عضواً في الحلف، إذ صُممت لمواجهة عدوان خارجي.

تؤكد بروكسل أن "بند الدفاع المشترك" (المادة 42.7) للاتحاد الأوروبي يشمل جرينلاند بصفتها إقليماً تابعاً لدولة عضو، لكن القرار يتطلب إجماعاً قد تعرقله دول مثل المجر إرضاءً لترامب.

 

استقلال جرينلاند: هل ترمي الجزيرة نفسها في حضن واشنطن؟

رغم وجود تيار انفصالي قوي في جرينلاند، إلا أن العائق الأكبر هو الاقتصاد، حيث تعتمد الجزيرة على دعم سنوي من كوبنهاغن يمثل نصف ميزانية الحكومة المحلية.

في خضم تهديدات ترامب، توحدت الأحزاب الجرينلاندية خلف الدنمارك مؤقتاً، مؤكدة: "إذا كان علينا الاختيار بين واشنطن وكوبنهاغن، فسنختار الدنمارك".

جروح الماضي ورهانات المستقبل

العلاقة بين "نوك" (عاصمة جرينلاند) و"كوبنهاغن" ليست مثالية؛ فذكريات الحقبة الاستعمارية، بما في ذلك فضيحة تحديد النسل الإجباري في الستينيات، لا تزال تثير الغضب، ومع ذلك، فإن "الوطنية" الدنماركية استعرت لمواجهة "العربدة" الأمريكية، مما جعل التخلي عن الجزيرة حالياً أمراً مستحيلاً سياسياً في الدنمارك.

تظل جرينلاند اليوم أكبر من مجرد جزيرة متجمدة؛ إنها ساحة صراع على سيادة المستقبل، حيث يتصادم حلم "العظمة الأمريكية" مع كبرياء القارة الأوروبية.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء