محمود الأفندي: استعداد واشنطن للوساطة بدلا من كونها طرفا داعما لكييف
قال الدكتور محمود الأفندي، الباحث في الشؤون الروسية، إن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن لقائه مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، ووصفه اللقاء بأنه جيد جدًا، تعكس انتقال الولايات المتحدة من موقع طرف غير مباشر في الصراع إلى موقع الوسيط، مؤكدًا أن الخطاب الأمريكي الأخير يحمل رسائل واضحة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين بضرورة إنهاء الحرب، لكن بشروط واقعية تفرضها موازين القوى على الأرض، حيث أن ترامب يتعمد في تصريحاته استخدام مصطلح الجنود يقتلون وليس المدنيين، في إشارة إلى إدراكه لطبيعة المعركة الدائرة، ومخالفته للرواية الإعلامية الغربية التي تتهم روسيا باستهداف المدنيين، مشيرًا إلى أن الخطاب الأمريكي بات أكثر حذرًا وأقرب إلى قراءة موسكو لطبيعة العمليات العسكرية.
تحول الخطاب الأمريكي
وأضاف الأفندي، خلال مداخلة على فضائية اكسترا لايف، أن الولايات المتحدة بدأت فعليًا في تعديل موقفها داخل المؤسسات الدولية، حيث جرى استبعاد توصيف العدوان الروسي من بعض الخطابات الرسمية، ما يعكس تحولًا سياسيًا وإعلاميًا لافتًا، ويؤشر إلى استعداد واشنطن للعب دور الوسيط بدلًا من استمرارها كطرف داعم لكييف، مضيفًا أن الأزمة الحقيقية لا تكمن في الموقف الروسي، بقدر ما ترتبط بمواقف أوكرانيا وبعض العواصم الأوروبية، موضحًا أن واشنطن تمتلك أوراق ضغط حاسمة على كييف، أبرزها الدعم الاستخباراتي واللوجستي، الذي لا يمكن للجيش الأوكراني الاستمرار بدونه في ظل افتقار أوروبا وأوكرانيا لقدرات الأقمار الصناعية العسكرية الكافية.
وأشار الدكتور محمود الأفندي، إلى أن استدعاء زيلينسكي إلى منتدى دافوس، بعد أن أبدى في البداية عدم رغبته في الحضور، يعكس بداية استخدام الولايات المتحدة لأدوات الضغط السياسي المباشر على القيادة الأوكرانية، في إطار إعادة ضبط مسار الحرب تمهيدًا لتسوية محتملة، موضحًا أن موسكو تنظر بإيجابية إلى هذا التحول الأمريكي، معتبرًا أن وجود قنوات تواصل مباشرة بين واشنطن والكرملين يعزز فرص التفاوض، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن إنهاء الحرب لن يكون عبر تسوية سياسية تقليدية.
الاستسلام بدل التسوية
وأكد الباحث في الشؤون الروسية، أن الحرب ستنتهي إما باستسلام أوكرانيا سياسيًا وقبولها بالشروط الروسية، أو بمزيد من التعقيد الميداني، محذرًا من أن استمرار العناد الأوكراني والأوروبي قد يؤدي إلى توسع رقعة السيطرة الروسية لتشمل مناطق جديدة، موضحًا أن الأهداف الروسية المعلنة تتمثل في تحرير إقليم دونباس، وفرض حياد أوكرانيا ومنع انضمامها لأي تحالف عسكري، إضافة إلى ما تسميه موسكو نزع النازية، في إشارة إلى تفكيك الجماعات اليمينية المتطرفة المسلحة.
ولفت إلى إن أوروبا فقدت قدرتها على لعب دور فاعل في أي مفاوضات مقبلة، بعدما تخلت عن مصادر الطاقة الروسية الرخيصة وربطت أمنها الاستراتيجي بالكامل بالولايات المتحدة، ما أفقدها القرار السيادي الحقيقي، مضيفًا أن العقوبات الأوروبية نُفذت بالوكالة عن واشنطن، ومع تراجع الدور الأمريكي المباشر، وجدت أوروبا نفسها وحيدة في مواجهة التداعيات الاقتصادية والسياسية للحرب، مؤكدًا أن الوكيل لا يجلس على طاولة التفاوض، بل يُستبعد عند انتهاء مهمته.
تفكك الناتو وأزمة الاتحاد الأوروبي
واختتم الدكتور محمود الأفندي، الباحث في الشؤون الروسية، مداخلته بالتأكيد على أن الحرب الأوكرانية كشفت هشاشة حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي، مشيرًا إلى أن الخلافات الداخلية وتصاعد الديون السيادية أضعفت قدرة أوروبا على اتخاذ قرارات مستقلة، مؤكدًا أن الرئيس الأوكراني بات يدرك تراجع فعالية الناتو، ما يفسر تصريحاته التي تشكك في قدرة الحلف على الدفاع عن أي دولة أوروبية مستقبلًا، معتبرًا أن النظام الدولي يتجه نحو إعادة تشكل ثنائي القطبية بين واشنطن وموسكو.
وأشار إلى أن روسيا لن تقبل بتجميد الصراع أو تقديم تنازلات تمس أهدافها العسكرية، محذرًا من تكرار تجربة اتفاقيات مينسك التي اعتبرتها موسكو خداعًا سياسيًا استُخدم لإعادة تسليح أوكرانيا، حيث أن الكرملين يرى أن تنفيذ أي اتفاق مستقبلي يجب أن يُفرض بقوة الواقع العسكري، بعدما فقدت الدبلوماسية الأوروبية مصداقيتها، مؤكدًا أن مستقبل أوكرانيا بات مرهونًا بخيارات صعبة، إما القبول بالشروط الروسية أو المخاطرة بزوالها من الخريطة الجيوسياسية.

