ذكر لنا القرآن الكريم في مواقف مختلفة أفرادًا ارتكبوا معاصي، لكنهم تابوا واعترفوا بذنوبهم، لكننا لم نلق الضوء على هذه التوبة، ولم نتوقف عندها لنتعلم كيف يسمح الله تعالى للإنسان أن يُخطئ، ويعطيه القدرة والعقل أيضًا على تدارك خطأه والاعتراف بذنبه والتوبة منه.
الحالة الأولى لأصحاب الجنة بسورة القلم، أولئك الذين اتفقوا على منع المساكين من أخذ نصيبهم من الثمار التي سيجمعونها من حديقتهم الغنية، (فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ ﴿٢٣﴾ أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ ﴿٢٤﴾)
لكنهم فوجئوا بما لم يحتسبوه أبدًا، (فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ ﴿١٩﴾ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ ﴿٢٠﴾)
فلما وصلوا إليها وجدوها قد دمرت تماماً، فاعتقدوا أنهم قد ضلوا الطريق، (فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ ﴿٢٦﴾)
لكنهم سرعان ما انتبهوا لحقيقة ما حدث، لتبدأ توبة من أسرع وأرقى وأصدق توبة، قالوا (بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ﴿٢٧﴾ قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ ﴿٢٨﴾ قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ﴿٢٩﴾ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ ﴿٣٠﴾ قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ ﴿٣١﴾ عَسَىٰ رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِّنْهَا إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا رَاغِبُونَ ﴿٣٢﴾)
قالوا، بل لقد حُرمنا مما ظننا أنه بأيدينا، وأقبلوا يلوم بعضهم بعضاً على ما فعلوه، وتأسفوا على موقفهم وأنهم كانوا ظالمين فيما قرروه من استبعاد المساكين.
الحقيقة أنا مندهشة من سرعة الاعتراف بالخطأ، رغم تدبيرهم وإصرارهم على تنفيذ خطتهم في حرمان المساكين، إلا أنهم بمجرد ما رأوا الدمار الذي لحق بجنتهم، فهموا الرسالة بمنتهى السرعة وبمنتهى الدقة، فصدقوا مع أنفسهم واعترفوا بخطئهم بمنتهى الوضوح، لم يتحايلوا على الأمر ويقولوا الكلمة السحرية التي تحولهم من جناه لضحايا، "احنا اتحسدنا"، لو كانوا تحايلوا على تفسير الأمر، لكانت الرسالة التي تحملها هذه الشدة ضاعت وكانوا سيستمرون في سيئاتهم، وتستمر عليهم العقوبات.
أنا بحب توبتهم وباحترامها، فكم منا لما يرتكب خطأً ويرى شدةً يعترف لنفسه بما فعل من سوء ويستغفر الله العظيم، هم فقط من كانوا يعلمون فعلتهم، وهم غير مطالبين بالكشف عنها لأحد، فقط بينهم وبين ربهم، ومن فقههم وعلمهم بربهم قالوا هذه الجملة الجميلة (عَسَىٰ رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِّنْهَا إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا رَاغِبُونَ) إنهم يعلمون أن توبتهم واستغفارهم يفتح الطريق لأن يبدلهم ربهم خيراً مما أُخذ منهم، ويقيناً قد فعل سبحانه.
التوبة الثانية رائعة الجمال هي توبة امرأة العزيز، لا نلتفت إليها في ظل هيمنة قصة سيدنا يوسف على الأحداث، إنها توبة عجيبة وغير متوقعة، بعد الشغف والإعجاب الشديد بسيدنا يوسف، وبعد ما أشهدت عليه نساء القصر، وبعد الإصرار والاستمرار، فوجئنا أنها عندما استدعاها الملك لكي يسمع منها حقيقة ما حدث، (قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّـهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ﴿٥١﴾ ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّـهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ ﴿٥٢﴾ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿٥٣﴾) يوسف.
أمر بجمع النسوة اللاتي قطعن أيديهن، ومعهن امرأة العزيز، وسألهن عن حقيقة ما حدث، وللغرابة صدقوا وأجابوه بحقيقة ما حدث، هناك علامة استفهام كبيرة تجاه هذه الصراحة وهذا الصدق، كيف بسيدات المجتمع الراقي اللاتي كن يتآمرن عليه من أجل أن يستجيب لسيدته بفعل الفاحشة بلا خجل ولا حياء، أن يَصْدُقنَ هذا الصدق ويشهدن بالحق، وامرأة العزيز تشهد على نفسها هذه الشهادة الجارحة لكرامتها ولحياتها الزوجية، إنه تحولٌ غريب جداً، لكنها التوبة الصادقة، يؤكد ذلك تعليقها (ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّـهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ ﴿٥٢﴾ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿٥٣﴾) هاتان الآيتان المفسرين يفسرونهما ما بين أن سيدنا يوسف هو من قالهما، أو امرأة العزيز هى من قالتهما، لكن سياق الآيات تدل على إن امرأة العزيز هى من قالتهما لأن الآية التي تليها مباشرة يقول فيها الملك: ".. وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ.. " فسيدنا يوسف لم يكن حاضرًا.
إذاً امرأة العزيز هي من علقت هذا التعليق بعد أن أدلت بشهادتها الصادقة، لقد ذيلت شهادتها بهذه الجملة التي تدل على تمام وكمال توبتها، قالت: (ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ..) أي لم تخن أمانة الشهادة وصدقت بالرغم من غيابه عن المكان، لقد كان يمكنها أن تكتفي بشهادتها ببراءته عندما قالت: (أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ)، لكن لعلمها بأنه من أركان التوبة أن ترد الحق لأصحابه، فهى قد خانت الشهادة من قبل وهو حاضر وأمام الملأ، فأرادت أن تصلح ما أفسدته من قبل أمام الملأ أيضاً، فحرصت على استكمال توبتها وشهادتها بهذا الإعلان.
ولكن لماذاً قالت (ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ.. ) ما أهمية أن يعلم سيدنا يوسف بتوبتها وهى توبة لله؟، لأنها بجانب التوبة لله تعالى، هناك حقوق للعباد لابد أن تؤدى، أو طلب لعفوهم من الأذى الذي لحق بهم، فهي قد أدخلته بشهادتها الزور السجن وآذته، لذلك حرصت أن يعلم حتى يكون ذلك أقرب لأن يعفو عنها، فتكتمل توبتها بأداء حقوق العباد.
ثم أعقبت ذلك بذكر قانون رباني وهو "أَنَّ اللَّـهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ" فهي لم تخنه في غيبته لأنها موقنة أن الله لا يُمضى مكائد الخائنين ولا مؤامراتهم، وأن هذه المكائد لا تؤدي لأي خير أو فلاح.
ثم أضافت ما يثبت فقهها وعلمها بربها، قالت: (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ)
هكذا هي التوبة، أفضل ما يقدمه الإنسان لنفسه، يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَه نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿٨﴾) التحريم.