سامح سعد: اندثار بعض الأنواع البشرية نتيجة المنافسة مع الإنسان الحديث
قال الدكتور سامح سعد، أستاذ الفيزياء الحيوية، إن الإنسان الحديث هو نتاج ملايين السنين من التطور والمنافسة الطبيعية، بدءًا من الهومو إريكتوس والهومو هابيلس، وصولًا إلى الهومو سابينز، وهذه المراحل تمثل صراعًا للبقاء في بيئات قاسية، حيث عاش أسلافنا في مناطق مرتفعة بإثيوبيا وتنزانيا وكينيا، مجابهين تحديات كبيرة من نقص المياه والجفاف والعصور الجليدية، مشيرًا أن هذه الظروف القاسية ساعدت على تطوير القدرات البدنية والعقلية، وزيادة حجم المخ، وتقوية التماسك الاجتماعي، مما أتاح لهم الانتشار لاحقًا في أوروبا وآسيا وأفريقيا، وهو ما شكل الأساس لتفريعات الإنسان المختلفة التي نعرفها اليوم.
الانتشار الجغرافي والبصمات الجينية للأسلاف
وأضاف سعد، خلال لقاء على شاشة النهار، أن الهومو سابينز بدأ بالظهور في إفريقيا قبل نحو 300 ألف سنة، في حين أن الإنسان النيندرتال كان موجودًا في أوروبا، والإنسان الدينسوفاني في آسيا وأجزاء من أوروبا، مشيرًا إلى أن حجم المخ لدى هذه الأنواع الثلاثة كان متقاربًا، بين 1300 و1500 سنتيمتر مكعب، أي ما يقارب حجم المخ البشري الحديث، مضيفًا أن الدراسات الجينية الحديثة أثبتت وجود تزاوج بين الإنسان الحديث وبعض هذه الأنواع المنقرضة، مثل النيندرتال، حيث تحتوي جينات الإنسان الحالي على ما بين 1 إلى 4% من جينات أسلافنا القدامى، ما يشير إلى تأثيرها المستمر على صفاتنا اليوم.
وأكد الدكتور سامح سعد، أن الأسلاف واجهوا تحديات غير مسبوقة، بما في ذلك نقص الغذاء، والعزلة الجغرافية، والحياة في مجموعات صغيرة، ما قلل من التنوع الجيني لديهم، لكنه ساهم في تطوير مهارات البقاء والتكيف، وهذه المهارات مكنت الإنسان الحديث من الصمود في مواجهة الظروف القاسية والتوسع خارج إفريقيا نحو مناطق جديدة، مشيرًا إلى أن المجموعات البشرية القديمة، مثل النيندرتال، عاشت في مجموعات صغيرة لا تتجاوز عشرين شخصًا، ما حد من قدرتهم على التطور الاجتماعي وحل المشكلات المعقدة، في حين أن الهومو سابينز استغل حجم جماعات أكبر لتطوير أدوات متقدمة وقدرات تنظيمية معقدة.
صراع البقاء وانقراض الأنواع المنافسة
وأوضح أن اندثار بعض الأنواع البشرية، مثل النيندرتال والدينسوفاني، لم يكن نتيجة لعوامل طبيعية فقط، بل نتيجة المنافسة المباشرة مع الإنسان الحديث، فالتفوق في الذكاء، وقدرة إنتاج الأدوات، والتنظيم الاجتماعي، منح الهومو سابينز الأفضلية في البقاء والانتشار على الأرض، مضيفًا أن الانقراض لم يكن تامًا، إذ أن جزءًا من الجينات القديمة مازال موجودًا في الإنسان الحديث، ملاحظًا أن هذه الجينات تؤثر على بعض الصفات البيولوجية، سواء كانت إيجابية أو مرتبطة بمخاطر صحية، مثل الاستجابة للأمراض.
ولفت إلى أن الدراسات الحديثة أوضحت كيف أثرت الجينات المتوارثة من النيندرتال والدينسوفاني على بعض الخصائص الوراثية للإنسان الحديث، مثل الاستجابة للمناخ، ونمط المناعة، وقدرة الجسم على مواجهة الأمراض، موضحًا أن هذه الجينات ليست كلها ضارة، بل تحمل فوائد ساهمت في تكيف الإنسان مع بيئته، حيث أن فهم هذه البصمات الجينية يقدم رؤى مهمة للعلوم الحديثة في مجالات الصحة، والطب الحيوي، وعلم الوراثة، كما يوضح رحلة طويلة ومعقدة للتطور البشري استمرت مئات الآلاف من السنين.
القوة والتكيف والمنافسة
واختتم الدكتور سامح سعد، أستاذ الفيزياء الحيوية، حديثه مؤكدًا أن الإنسان الحديث هو نتاج ملايين السنين من التحديات، وأن القدرة على التكيف، والتعلم، والتعاون الاجتماعي، كانت المحرك الرئيسي لتفوقنا على الأنواع الأخرى، مضيفًا أن هذه الدروس تبرز أهمية المرونة والاستجابة الذكية للتحديات في كل العصور، سواء كانت بيئية أو اجتماعية أو جينية.

