في خضمِّ فرحتنا بعُرس مصرَ الثقافي، المتمثل في معرض الكتاب في دورته الجديدة، أودُّ أن ألفت أنظار المسئولين إلى عديد من منارات مصر الثقافية، التي تحتاج إلى عناية واهتمام؛ لتمارس دورها بقوة وكفاءة.
من تلك المنارات اتحاد كتاب مصر، الذي يعاني رتوشًا، لا بد من إزالتها؛ ليعود إليه رونقه.
في ندوةٍ عن التسامح المجتمعي بين أبناء الشعب المصري، دُعيتُ إليها للمشاركة بكلمة في مقرّ النقابة العامة لاتحاد كتَّاب مصر بمبناه العريق في حيّ الزمالك، استرعت انتباهي عدَّةُ مشاهد بعضها يدعو للفرح، وبعضها يدعو للحُزن، وينبش في جروحٍ، نتمنى لها مُخلصين أن تندمل.
أقولُ صادقًا إنّه رغم الجهود الحثيثة لمسئولي الثقافة بمصر من أجل تضميد تلك الجروح وإزالتها، إلا أنَّها ما زالت مُتقيّحة، تُؤلم وتؤرق كلَّ مهتم بالشأن الثقافي في مصرنا المحروسة.
وحتى تكونَ بدايةُ المقال بردًا وسلامًا، أستهلُّه بمشاهد الفرح لبثِّ الطاقة الإيجابية لدى القارئ، والتي من أهمها العملُ بروح الفريق بين مَنْ التقيتُ من أعضاء مجلس الاتحاد، تحت رئاسة الشاعر والكاتب د. علاء عبد الهادي، الذي يُعدُّ مِظلة حقيقية، يلوذُ بها أعضاءُ المجلس، وكذلك أعضاءُ النقابة لحلِّ ما يواجهونه من مشكلات، وتذليل ما يجدونه من صعوبات؛ بفضل ما أوتي من حكمة صقلتها السنون، إضافة إلى إلمامه بفنّ الإدارة واحتواء الأزمات، وهو ما جعله يُحسِن الكلام، ويُجيد التصرُّف، ومن ثم يتغلب على المشكلة في مهدها قبل استفحالها.
من المشاهد الجميلة أيضًا، حفاوةُ استقبال أعضاء الاتحاد لي ولغيري من الضيوف. تلك الحفاوة التي تجعل الضيفَ يشعُر بأنَّه صاحبُ مكان، وهذا ما ألفتُه مع الروائية د. رانية أبو العينين عضو المجلس، رئيس لجنة التسامح المجتمعي آنئذ، التي ما انفكت تتبادل معنا ـ قبل الأمسية ـ أطرافَ الحديث بود وترحاب، يشيان بأنَّها مثقفةٌ واعية، تقتفي خطى أستاذها د. علاء عبد الهادي، الذي يبذل جهودًا حثيثة للنهوض باتحاد كتاب مصر.
من المشاهد الرائعة كذلك الالتقاءُ بأدباء حقيقيين، وشعراء مرهفين، فاضت شاعريتُهم على المكان، وأدخلوا البهجة على نفوس الضيوف بقصائد مجدولة بالصدق، تفيضُ شاعرية ودفئا.
ومن ضمن الإيجابيات مناقشة قضايا جادة، وتقديم حلول ناجعة صادرة عن ضيوف ذوي عقل ورؤية.
أمَّا عن مشاهد الأسى، والتي لن أستطرد فيها؛ لكيلا أشوه جمال الصورة، التي سبق ورسمتها، فتتمثل في قِدم المبنى وتهالكه، وحاجته إلى صيانة وتجديد؛ ليعود إليه شموخه المُستمد من دوره، بوصفه أحد أهم صروح الثقافة والتنوير في مصر، ومن عبقرية مكانه أيضًا!
وأقول هنا بصوتٍ عال: إذا كانت الدولة ترعى مراكز الفنون، والمسارح، وقصور الثقافة، ودور السينما، والملاعب وغيرها الكثير والكثير من مؤسسات الترفيه، وتُنفق عليها ببذخ، فإنَّ اتحاد كتَّاب مصر منارة الثقافة والفكر بحاجة إلي رعاية حقيقية وجادة؛ ليبقى مركزًا للإشعاع والتنوير!
أمَّا المثلبة الثانية، التي رأيتها بعيني، والتي تُعدَّ مشكلة عامة لا تخصَّ الاتحاد وحده، بل تشمل معظم ـ إن لم يكن كلَّ ـ مراكز الثقافة، فهي عزوفُ النّاس عن الأمسيات والندوات الثقافية، التي تُنمِّي الفكر وترقى بالوجدان، وانطلاقهم وراء حفلات الرقص واللهو، وإلى صالات سينما العنف والعري، التي تنحط فيها الأخلاق وينحدر الذوق، وهو أمرٌ يدعو للحسرة، إذ استبدل الناسُ الذي هو أدنى بالذي هو خير!
وهنا أتساءل: هل ستجد رسالتي صدى؛ للقضاء على تلك المثالب لنعيد لمصرنا الغالية رونقها الذي كان، ونحافظ على أحد أهم صروح قواها الناعمة ؟!