رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

ذكرى ميلاد أنطونيو جرامشي.. رحلة مفكر غير الفكر السياسي عالميا

أنطونيو جرامشي
أنطونيو جرامشي

تحل اليوم ذكرى ميلاد الفيلسوف والمفكر الماركسي الإيطالي أنطونيو جرامشي، أحد أبرز الأسماء الفكرية التي أسهمت في تشكيل الوعي السياسي والفلسفي في القرن العشرين، وصاحب التأثير العميق الذي تجاوز حدود إيطاليا ليصل إلى مختلف أنحاء العالم.

وتمثل هذه الذكرى مناسبة لاستعادة سيرته الفكرية، وإعادة طرح السؤال حول مدى حضور أعماله مترجمة إلى اللغة العربية، خاصة في ظل الاهتمام المتجدد بأفكاره المتعلقة بالهيمنة الثقافية، ودور المثقف، والعلاقة المعقدة بين السلطة والمجتمع.

النشأة

ولد أنطونيو جرامشي عام 1891 في جزيرة سردينيا الإيطالية، ونشأ في ظروف اجتماعية واقتصادية صعبة، كان لها أثر واضح في تكوينه الفكري والإنساني، ومنذ سنواته الأولى، أظهر ميلًا واضحًا نحو الدراسة والتأمل، قبل أن ينتقل لاحقًا إلى تورينو، حيث انخرط في الحياة الفكرية والسياسية، وتأثر بالحركة العمالية، ليصبح واحدًا من أهم منظريها وأكثرهم عمقًا وتحليلًا.

نشاط سياسي

لم يكن جرامشي مفكرًا نظريًا فقط، بل جمع بين الفكر والممارسة، إذ شارك بفاعلية في تأسيس الحزب الشيوعي الإيطالي، وأسهم في إصدار عدد من الصحف والمجلات التي لعبت دورًا مهمًا في متابعة تطورات الحركة العمالية داخل إيطاليا وخارجها، وقد سعى من خلال هذه المنابر إلى تقديم قراءة جديدة للواقع الاجتماعي والسياسي، تقوم على فهم الثقافة باعتبارها ساحة صراع أساسية لا تقل أهمية عن الاقتصاد والسياسة.

سجن ومعاناة

وفي عام 1928، اعتقله النظام الفاشي بقيادة بينيتو موسوليني، في محاولة واضحة لإسكات صوته الفكري والسياسي، وصدر بحقه حكم بالسجن لمدة عشرين عامًا.

وخلال سنوات السجن، تعرض جرامشي لظروف صحية ونفسية قاسية، إلا أن هذه المرحلة تحولت إلى واحدة من أكثر فترات حياته إنتاجًا وتأثيرًا، حيث دوّن أفكاره وتأملاته في ما عُرف لاحقًا بـ«دفاتر السجن»، التي أصبحت مرجعًا أساسيًا في الفكر السياسي الحديث.

وظل في السجن حتى عام 1935، قبل أن يُنقل إلى المستشفى بسبب تدهور حالته الصحية، ليتوفى عام 1937 إثر نزيف دماغي.

أثر فكري

ورغم رحيله المبكر، ترك أنطونيو جرامشي أثرًا فكريًا عميقًا لا يزال حاضرًا حتى اليوم، حيث أثّرت أفكاره في عدد كبير من المفكرين والباحثين حول العالم، من بينهم إدوارد سعيد، ونعوم تشومسكي، وميشيل فوكو، وديفيد هارفي، وقد أعاد هؤلاء وغيرهم توظيف مفاهيمه، وعلى رأسها مفهوم «الهيمنة الثقافية»، لفهم آليات السيطرة وبناء الوعي داخل المجتمعات الحديثة.

ترجمات عربية

وبمناسبة ذكرى ميلاده، يعود الاهتمام بالبحث في ترجمات أعمال جرامشي إلى اللغة العربية، والتي أسهمت في تعريف القارئ العربي بجانب من أفكاره الفلسفية والسياسية، ورغم أن عدد الترجمات لا يزال محدودًا مقارنة بحجم تأثيره العالمي، فإنها تمثل خطوة مهمة في نقل فكره إلى المجال الثقافي العربي.

قضايا المادية

ومن أبرز هذه الترجمات كتاب «قضايا المادية التاريخية»، الصادر بترجمة فواز طرابلسي عن دار منشورات المتوسط، والذي يناقش فيه جرامشي التصورات الشائعة حول الفلسفة، مؤكدًا أنها ليست حكرًا على النخبة أو المتخصصين، بل ممارسة إنسانية عامة تتجلى في اللغة، والحكمة الشعبية، والحس السليم، والدين الشعبي، داعيًا إلى إعادة النظر في دور الفلسفة في الحياة اليومية.

رسائل إنسانية

كما صدرت ترجمة كتاب «شجرة القنفذ والرسائل الجديدة»، عن دار التكوين للتأليف والترجمة والنشر، بترجمة أمارجي، والذي يضم مجموعة من الرسائل التي كتبها جرامشي خلال فترة سجنه، وتعكس جانبًا إنسانيًا عميقًا من شخصيته، حيث تتداخل فيها مشاعر القلق والألم مع الأمل والحنين، خاصة في رسائله إلى أفراد أسرته.

رسائل السجن

ومن الأعمال اللافتة أيضًا كتاب «رسائل السجن: رسائل أنطونيو جرامشي إلى أمه»، بترجمة سعيد بوكرامي، والذي يسلط الضوء على العلاقة العاطفية بين جرامشي ووالدته، كاشفًا عن معاناة إنسانية قاسية عاشها المفكر الإيطالي في محبسه، إلى جانب تأملاته في الحياة والمجتمع والمصير.

دراسات لغوية

وفي سياق مختلف، ترجم له كتاب «نظرية أدوات التعريف والتنكير وقضايا النحو العربي»، بترجمة الدكتور جعفر دك الباب، والصادر عن مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر بدمشق، وهو عمل بحثي يتناول المبادئ الأساسية للنظرية العامة لأدوات التعريف والتنكير، مع دراسة معمقة للغة العربية الفصحى، ويعد إضافة نوعية للدراسات اللغوية المقارنة.

قضية قومية

كما صدر كتاب «في الوحدة القومية الإيطالية» عن دار منشورات المتوسط، بترجمة فواز طرابلسي، حيث يقدم جرامشي قراءة ماركسية معمقة للمسألة الوطنية والقومية، جامعًا بين التاريخ وعلم الاجتماع والسياسة، ومبتعدًا عن الطرح الستاليني التقليدي، في محاولة لصياغة رؤية أكثر مرونة وواقعية.

وتؤكد ذكرى ميلاد أنطونيو جرامشي أن فكره لا يزال حيًا ومتجددًا، وأن ترجماته العربية تمثل جسرًا مهمًا لإعادة قراءة أفكاره في ضوء التحولات السياسية والثقافية الراهنة، بما يعزز حضوره في المشهد الثقافي العربي، ويجدد النقاش حول دور الفكر النقدي في فهم الواقع وصناعته.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء