كيف تحوّلت الدبلوماسية الاقتصادية إلى فرص عمل واستقرار؟ /خاص
قدم الدكتور محمود فراج، المتخصص في الشئون الإفريقية بكلية الدراسات الإفريقية العليا – جامعة القاهرة، قراءة معمّقة لمشاركة مصر في منتدى دافوس يناير 2026، موضحًا أن هذه المشاركة لم تكن بروتوكولية أو استعراضية، بل كانت "استثمارًا استراتيجيًا في سمعة الدولة وقدرتها على جذب الفرص وبناء الاستقرار".
وأضاف فراج في تصريح خاص لموقع إيجبتك، أن السؤال الذي يطرحه المواطن العادي بحق هو: ماذا استفدنا نحن من هذه الاجتماعات البعيدة في مدينة سويسرية باردة؟ والإجابة، من وجهة نظره، أن دافوس هذا العام كان مرتبطًا مباشرة بلقمة العيش، وفرص العمل، ومستقبل الاقتصاد الوطني.
ويؤكد أن الرسالة المركزية التي حملها الوفد المصري كانت واضحة: «لا استثمار بدون استقرار». ولهذا لم يقتصر التمثيل المصري على وزراء الاقتصاد والمالية، بل شمل وزير الخارجية ورئيس جهاز المخابرات العامة، في إشارة مباشرة إلى أن الأمن الإقليمي والاستقرار السياسي شرط أساسي لجذب أي استثمار حقيقي طويل الأجل. ويوضح فراج أن الرئيس عبد الفتاح السيسي قدّم في لقاءاته رؤية تربط بين استقرار مصر وحل أزمات الإقليم، خاصة في غزة والسودان، باعتبار أن أمن مصر جزء من أمن المنطقة بأكملها.
وعن الأرقام الاقتصادية التي طُرحت في دافوس، يلفت فراج إلى أن تصدّر مصر للاستثمارات الأجنبية المباشرة في إفريقيا بنحو 11 مليار دولار لم يكن رقمًا عابرًا، بل نتاج مسار إصلاحي متدرّج. ويشير إلى أن سداد نحو 5 مليارات دولار من مستحقات الشركاء الأجانب في قطاع البترول بعث برسالة ثقة قوية للأسواق الدولية بأن الدولة المصرية تفي بالتزاماتها، وهو عنصر حاسم في قرارات المستثمرين.
كما يتوقف عند أداء قناة السويس، ليؤكد أن ارتفاع إيراداتها بنسبة 18.5% في النصف الأول من العام المالي الجاري، رغم الاضطرابات الإقليمية، يعكس صلابة هذا الشريان الحيوي وقدرته على الصمود والتكيّف مع الأزمات. ويضيف أن وصول الصادرات الزراعية إلى 11.5 مليار دولار في 2025 يثبت أن الاقتصاد الحقيقي المنتج بدأ يفرض نفسه عالميًا، وأن الفلاح والمُصدّر المصري أصبح جزءًا من منظومة تنافسية دولية.
وعلى الصعيد السياسي الاستراتيجي، يعتبر فراج أن من أهم مكاسب دافوس الانفراجة المتوقعة في ملف مياه النيل، بعد الدعم الذي أبداه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لموقف مصر في قضية سد النهضة، ووعده بالعمل على جمع الأطراف للوصول إلى حل توافقي.
ويصف هذا التطور بأنه «دعم سياسي دولي يحمي الأمن المائي المصري، ويهم كل بيت مصري وكل مزارع يعتمد على مياه النيل في رزقه».
ويؤكد فراج أن التحول الأهم الذي طرحتْه الدولة في دافوس هو سياسة «تمكين القطاع الخاص»، باعتبارها المدخل الحقيقي لتوسيع قاعدة الإنتاج والتوظيف. فبدلًا من أن تكون الحكومة المنفّذ الوحيد، يتم فتح المجال أمام الشركات المصرية للاستثمار في قطاعات المستقبل مثل السيارات الكهربائية والهيدروجين الأخضر والطاقة المتجددة، وهي قطاعات كثيفة التشغيل وتحتاج إلى آلاف المهندسين والفنيين.
كما يشير إلى أن مشروعات التحول الرقمي، وتركيب مليون عداد كهرباء ذكي حتى 2027، وإطلاق منصات إلكترونية لتقنين أراضي الدولة، ليست تفاصيل تقنية، بل خطوات مباشرة لتحسين جودة الخدمات وتقليل البيروقراطية ورفع كفاءة الإدارة العامة.
ويختم الدكتور محمود فراج تصريح لموقع إيجبتك بالتأكيد على أن مصر ذهبت إلى دافوس لتقول للعالم إنها «اقتصاد فرص لا اقتصاد أزمات». الهدف، بحسب تعبيره، هو تحويل ما تحقق من بنية تحتية ضخمة – من طرق وموانئ ومناطق لوجستية – إلى ميزة تنافسية تجذب الشركات العالمية، وترفع التصنيف الائتماني، وتفتح الباب لتدفقات استثمارية مستدامة.
ويخلص إلى أن مشاركة مصر في دافوس كانت استثمارًا في سمعة الدولة قبل أن تكون استثمارًا في المال، لأن السمعة الجيدة هي الطريق الأقصر لتحسين مستوى المعيشة، وخلق فرص العمل، وتقليل التضخم على المدى الطويل، وبناء مستقبل أكثر استقرارًا لكل مواطن.