لم يكن الأسبوع الثالث من يناير الجاري مجرد محطة عابرة في روزنامة الأحداث بالقرن الإفريقي، بل شكّل لحظة كاشفة لتراكم ضغوط سياسية وأمنية وجيوسياسية على السلطة الفدرالية الإثيوبية، ضغوط بدت متزامنة ومتداخلة، وتستهدف في جوهرها البنية الهشّة للدولة متعددة القوميات.
ففي غضون أيام قليلة، وجدت الحكومة الإثيوبية الفدرالية نفسها أمام ثلاثة مسارات تصعيد متوازية، تبدت في عودة الملف الصومالي داخل إثيوبيا إلى الواجهة بصيغة تقرير المصير، و تراجع أحد أهم أذرع النفوذ الإقليمي الحليفة لها في الساحة الصومالية، وتهديد مباشر لشريانها الاقتصادي الحيوي عبر إقليم عفر. وهي تطورات، إذا ما قُرئت مجتمعة، تعكس أزمة أعمق من كونها مجرد أحداث ظرفية.
الصوماليون في إثيوبيا: من الاحتواء إلى إعادة فتح السؤال الوجودي
الإعلان عن تأسيس تحالف الشعب الصومالي من أجل تقرير المصير (SPAS) من مدينة جيققا لم يكن خطوة رمزية، بل رسالة سياسية محسوبة التوقيت والمضمون. فالتحالف، الذي يضم جبهة تحرير أوغادين الوطنية الذي يضم جبهة تحرير أوغادين الوطنية (ONLF)، ومؤتمر القضية الصومالية (CSC)، والتحالف الديمقراطي الإقليمي الصومالي (SRDA)، و استند بوضوح إلى النصوص الدستورية الإثيوبية التي تضمن حق تقرير المصير، واضعاً الدولة الفدرالية أمام تناقضها البنيوي بين النص والممارسة.
إلى جانب المطالبة بإعادة النظر في ضم الأراضي الصومالية وما رافقه من سياسات تغيير ديمغرافي وتهميش سياسي طويل الأمد، كان الأخطر في البيان التأسيسي للتحالف الإعلان الصريح عن فشل اتفاقية أسمرا 2018، الموقّعة بين الحكومة الفدرالية الإثيوبية وجبهة تحرير أوغادين الوطنية، التي كانت أديس أبابا تعتبرها إنجازاً استراتيجياً أنهى عقوداً من (التمرد المسلح) عبر إدماج جبهة أوغادين في العمل السياسي السلمي.
عودة الخطاب الصومالي المنظّم وبصيغة تحالفية، إلى مربع تقرير المصير تعني، عملياً، أن سياسة الاحتواء السياسي التي انتهجتها الحكومة الإثيوبية الفدرالية بقيادة أبيي أحمد منذ 2018 لم تعالج جذور الأزمة، بل أجّلت انفجارها. وهي إشارة مقلقة لدولة تواجه أصلًا مطالب قومية مشابهة في أكثر من إقليم.
بوصاصو.. انكفاء إقليمي يربك الحسابات الإثيوبية
في المسار الإقليمي، شكّلت مغادرة أكثر من 1500 عامل من القاعدة الإماراتية في ميناء بوصاصو، عقب إلغاء الحكومة الصومالية لجميع الاتفاقيات مع أبوظبي بما في ذلك اتفاقيات الدفاع وإدارة الموانئ، تطوراً ذا دلالة تتجاوز الساحة الصومالية. فإثيوبيا، التي نسجت خلال السنوات الماضية شراكات وثيقة مع الإمارات في ملفات الموانئ والأمن البحري والنفوذ في القرن الإفريقي، تجد نفسها أمام تراجع أحد أهم الداعمين الإقليميين لمعادلاتها الاستراتيجية، وهذا لا يعني فقط خسارة شريك، بل يعيد فتح سؤال النفاذ الإثيوبي إلى البحر الأحمر وخليج عدن، ويكشف هشاشة الرهانات التي بُنيت على تحالفات خارجية متغيرة، في بيئة إقليمية شديدة السيولة.
عفر .. عندما يصبح شريان الحياة ساحة اشتباك
غير أن التحدي الأخطر برز في إقليم عفر، حيث شهدت المنطقة تصعيداً عسكرياً لافتاً شمل هجمات منسقة على مواقع عسكرية، وقطع الطريق البري والسكك الحديدية التي تربط إثيوبيا بجيبوتي، وتحوّلت العمليات العسكرية وقطع الطرق إلى تهديد مباشر للاقتصاد الإثيوبي فالممر البري وخط السكك الحديدية يمثلان أكثر من 90% من تجارة البلاد الخارجية، وتعطيل هذا الشريان، ولو مؤقتاً، يضع الدولة الحبيسة أمام سيناريو اختناق اقتصادي حقيقي، تتجاوز آثاره الحسابات العسكرية إلى الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي، وهو ما يجعل من أقليم عفر نقطة ضعف استراتيجية، لا تقل خطورة عن أي جبهة قومية أخرى، في ظل هشاشة داخلية قائمة أصلاً وتعدّد بؤر التوتر.
السند الإسرائيلي.. دعم سياسي بلا ضمانات داخلية
تأتي هذه التطورات/ الضغوط في وقت لم تهنأ فيه أديس أبابا بعد بالرهانات التي صاحبت الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال في مطلع العام، والذي اعتُبر آنذاك حدثاً مفصلياً في إعادة تشكيل توازنات القرن الإفريقي، بعد أن رُوّج له باعتباره اختراقاً جيوسياسياً يعزّز موقع إثيوبيا وحلفائها في البحر الأحمر. غير أن تراكم الضغوط وتسارع الأزمات الداخلية في إثيوبيا، من الملف الصومالي إلى عفر، كشف محدودية الرهان على هذا السند الخارجي، وعجزه عن تحصين السلطة الفدرالية من تصدّعاتها البنيوية، وأكد أنه لا يعوّض غياب التسويات الداخلية المستدامة، واثبت -مرة أخرى- أن الرهان الإسرائيلي لن يوفّر الطمأنينة مهما كان وزنه.
دولة تحت الاختبار
ما جرى في الأسبوع الثالث من يناير 2026 لا يمكن اختزاله في أحداث منفصلة، بل يجب قراءته باعتباره مؤشرات متزامنة تبين دخول الدولة الإثيوبية إلى مرحلة ضغط متعددة المستويات، وتعكس اختباراً شاملاً يشمل قياس قدرتها على إدارة التعدد تحت الضغط السياسي ، وتحمل كلفة الرهانات الإقليمية بعد الارتباك في موازين النفوذ، وحماية شرايينها الاقتصادية من التهديد المباشر، في آن واحد.
كل هذه العوامل تنذر بأن إثيوبيا مقبلة على اختبارات أكثر قسوة، في إقليم يتغيّر بسرعة لم يعد يحتمل حلولاً مؤقتة أو رهانات خارجية قصيرة النفس، تبدو أديس أبابا مطالبة بإجابات بنيوية لا أمنية فقط. فالمقاربات المؤقتة، والتحالفات الخارجية، لم تعد كافية لإخفاء تصدعات الداخل.
والسؤال لم يعد إن كانت الضغوط ستتصاعد، بل إلى أي مدى تستطيع الدولة الصمود قبل أن تُفرض عليها إعادة تعريف علاقتها بمكوناتها وبمحيطها الإقليمي.