فكرة هل تفرغ أمريكا الحرب الروسية-الأوكرانية؟ لا يمكن مقاربتها بإجابة حاسمة من نوع نعم أو لا، بل بوصفها مسارًا سياسيًا- اقتصاديًا يتبدل حين تنتقل الحرب من كونها صدمة كبرى تهز النظام الدولي إلى ملف مزمن طويل الأمد يدار وفق ميزان الكلفة والعائد، في هذا السياق، لا يكون السؤال الحقيقي: هل ستتخلى واشنطن عن أوكرانيا؟ بل: كيف تعاد صياغة الالتزام الأميركي عندما تصبح الحرب عبئا دائمًا وتزاحمها ملفات أخرى أكثر إلحاحًا في حسابات القوة والمصالح؟.
تفريغ الحرب، بالمعنى العملي، لا يعني بالضرورة وقف الدعم أو السماح بسقوط أوكرانيا، وإنما يعني تغيير طبيعة الأهداف والوسائل، ففي مرحلة ما، يتراجع الخطاب عن استعادة كل شبر من الأرض ليحل محله هدف أكثر براجماتية يتمثل في منع الانهيار العسكري، والحفاظ على توازن ميداني يمنح كييف قدرة تفاوضية، دون التورط في التزام مفتوح لا سقف زمني له، هذا التحول يترافق غالبا مع ترشيد الموارد، بحيث يصبح الدعم أقل اندفاعًا وأكثر مشروطية، وينتقل جزء متزايد من العبء المالي والعسكري إلى الحلفاء الأوروبيين، بينما تدار الحرب كملف إداري بيروقراطي عبر حزم أصغر وتشريعات متدرجة، لا كتعبئة استراتيجية كبرى كما في السنوات الأولى.
أحد الدوافع الأساسية لهذا المسار هو الاستنزاف السياسي والمالي داخل الولايات المتحدة نفسها، مع مرور الوقت، تفقد الحروب الطويلة قدرتها على حشد الإجماع الداخلي، وتتحول إلى موضوع خلاف حزبي وانتخابي، أوكرانيا لم تعد تعامل داخل واشنطن باعتبارها قضية أخلاقية واضحة المعالم كما في 2022، بل كملف مكلف يخضع للتفاوض داخل الكونجرس، حيث يسأل عن كل شحنة سلاح وكل مليار دولار، هذا لا يعني أن الدعم انتهى، لكنه يعني أن الشيك المفتوح أغلق، وأن استمرار الالتزام بات مشروطًا باعتبارات داخلية تتعلق بالرأي العام، والتضخم، والإنفاق العسكري، والأولويات الاجتماعية.
في الوقت نفسه، تعيد الولايات المتحدة ترتيب أولوياتها الاستراتيجية في عالم يتسم بتعدد الأزمات، أوكرانيا باتت واحدة من عدة بؤر توتر عالية الكلفة، وليست المسرح الوحيد الذي يحدد مستقبل النفوذ الأميركي، هناك إدراك متزايد في دوائر صنع القرار بأن الانغماس طويل الأمد في حرب استنزاف أوروبية قد يقيد قدرة واشنطن على التعامل مع تحديات أخرى، سواء في آسيا أو في ملفات الطاقة والتكنولوجيا والأمن الاقتصادي، هذا الإدراك لا يترجم بالضرورة إلى انسحاب، لكنه يدفع نحو إدارة الصراع بدل تصعيده، وإلى البحث عن صيغ تبقي الكلفة تحت السيطرة.
من هنا يظهر منطق تقاسم الأعباء مع أوروبا بوصفه عنصرًا محوريًا، الولايات المتحدة لا ترغب في أن تكون الممول والمخزن الرئيسي للذخائر إلى أجل غير مسمى، خاصة وأن الحرب تقع جغرافيا في قلب أوروبا، لذلك يعاد تصميم الدعم بحيث تستمر الأسلحة بالتدفق، لكن بتمويل أوروبي أكبر، سواء عبر شراء مباشر من الصناعة الأميركية أو عبر آليات جماعية داخل «الناتو»، بهذه الطريقة، تحافظ واشنطن على نفوذها الصناعي والسياسي، بينما تخفف العبء المباشر عن ميزانيتها، فيتحول الدعم إلى عملية مشتركة طويلة الأمد بدل كونه التزامًا أميركيًا أحاديًا.
ورغم كل ذلك، لا يعني هذا المسار أن الولايات المتحدة مستعدة لتفريغ الحرب بالكامل أو تركها تنتهي بانتصار روسي واضح، هناك كوابح استراتيجية تمنع هذا الخيار، أبرزها مصداقية الردع الأميركي، أي تراجع حاد أو انسحاب مفاجئ قد يقرأ في موسكو وبكين على أنه إشارة ضعف، ما ينعكس على توازنات دولية أوسع، كما أن انهيار أوكرانيا أو توسع النفوذ الروسي سيعيد فتح ملف أمن أوروبا لعقود، ما قد يفرض على واشنطن كلفة أكبر لاحقا مما تتحمله اليوم، لذلك يبقى الهدف الأميركي غالبا هو إبقاء الحرب ضمن سقف يمنع الهزيمة الأوكرانية، حتى لو لم يعد يسعى إلى نصر حاسم.
في موازاة البعد العسكري، تبرز ملفات أخرى لا تقل أهمية، وعلى رأسها الطاقة والثروات، الحرب غيرت بشكل جذري خريطة أمن الطاقة في أوروبا، ودفعت القارة إلى تسريع فك الارتباط مع الغاز الروسي وبناء بنية تحتية واسعة للغاز المسال، هذا التحول خلق شبكة مصالح جديدة: أوروبا تبحث عن تنويع واستقرار، ومصدرو الغاز المسال، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة، يستفيدون من سوق أوسع وعقود أطول، بينما تجد روسيا نفسها مضطرة لإعادة توجيه صادراتها وخياراتها، في هذا السياق، قد ترى واشنطن أن إدارة الحرب، لا حسمها السريع، تسمح بترسيخ هذا التحول الهيكلي بحيث يصبح دائمًا حتى لو هدأت المعارك لاحقًا.
إلى جانب الطاقة، تفتح الحرب بابا واسعًا لاقتصاد إعادة الإعمار، من البنية التحتية إلى المعادن والصناعات الدفاعية، هنا لا يعود الصراع مجرد مواجهة عسكرية، بل منصة لإعادة توزيع النفوذ الاقتصادي في شرق أوروبا، السباق لا يدور فقط حول خطوط التماس، بل حول سلاسل التوريد، والعقود المستقبلية، وموقع أوكرانيا داخل المنظومة الغربية، هذا لا يعني وجود مؤامرة واحدة متماسكة، لكنه يعكس حقيقة أن الحروب الطويلة تنتج مصالح موازية قد تصبح في نظر بعض الفاعلين أهم من الحسم العسكري نفسه.
السيناريو الأكثر واقعية ليس إطفاء الحرب ولا التخلي الكامل عن أوكرانيا، بل خفض حرارتها وتحويلها إلى ملف مدار، دعم عسكري يكفي لمنع الانهيار، وضغط سياسي باتجاه تفاهمات جزئية أو تجميد الصراع، ونقل العبء تدريجيًا إلى أوروبا، مع الحرص على ألا ينزلق الوضع إلى مواجهة مباشرة بين روسيا وحلف الناتو، بهذا المعنى، يمكن فهم السلوك الأميركي كعملية تطبيع للحرب، لا كحالة طوارئ دائمة، حيث تعاد صياغة الالتزام وفق أولويات أوسع تشمل الطاقة، والاقتصاد، وتوازنات القوة العالمية، دون أن يعني ذلك بالضرورة التخلي الكامل أو الانسحاب الصريح.