إليها أكتب كما يكتب الغريق رسالته الأخيرة إلى البحر وكما يكتب العاشق اسمه على زجاجٍ مبلل بالبخار، أكتب إليها لا لأنني أملك براعة الفن بل لأنني صرت أنا نفسي لوحة غير مكتملة تبحث عن ملامحها في وجهها.
أنا لا أجيد فن الرسم لا أعرف كيف تُمسك الفرشاة ولا كيف تُروض الألوان كي تقترب من تفاصيلك، لا أعرف كيف يُمكن لخطٍ صامت أن يلتقط ارتعاشة عينك حين تسرحين، ولا كيف يُمكن للونٍ جامد أن يحاكي دفء بشرتك حين يلامسها الضوء أو حُمرة خفيفة تتسلل إلى وجنتيك كهمسة خجولة على ورقة بيضاء، تبدو فجأة شديدة البرودة أمام حرارة حضورك، ولا أعرف كيف يمكن لعين رسام أن تختصر اتساع روحك في إطارٍ محدود.
ولا أجيد الشعر أيضًا، لا أملك تلك القدرة السحرية على إلقاء الأبيات في حضرة عينيك دون أن ترتجف القوافي، ودون أن تتكسر الكلمات تحت ثقل نظرتك، لا أعرف كيف يُمكن لبيت شعر أن يحمل ثقل صمتك أو اتساع ابتسامتك أو عمق حزنك العابر، لا أعرف كيف تُرتّب الكلمات كي لا تبدو صغيرة أمامك، أو كيف يُمكن لقصيدة أن تقف ثابتة حين تمرين بجوارها، وكأنك قصيدة تمشي على قدمين.
لكنني رغم كل هذا العجز الفني، أعرف شيئًا آخر، أعرف الوصف، أعرف كيف أُمسك اللحظة الهاربة وأجعلها خالدة في داخلي، أعرف كيف تتحول لمسة واحدة من يدك إلى موجة دافئة تعبر جسدي بأكمله، كيف تمر عبر جلدي وتستقر في قلبي وتُعيد تشكيل نبضي من جديد، أعرف كيف يتغير الهواء حين تقتربين، وكيف يصبح العالم أخف وأهدأ وكأن كل الضجيج يتلاشى لحظة تلامس فيها أصابعك أصابعي، أعرف كيف يتحول عناق واحد في ليلة باردة داخل معطفٍ مُجلد إلى كونٍ كامل لا يحتاج شيئًا خارجه، ليس مجرد احتضان بل تعهدٌ صامت بين روحين اختارتا بعضهما في العتمة، تعهدٌ بأن الدفء يمكن أن يولد حتى في أقسى البرد، وأن النجاة ممكنة حين تتشابك الأيادي.
أنا لا أحبك كما يُحب الناس بالمنطق أو الشروط أو الحسابات، لا أحبك بعبارات تبدأ بـ لكن ولا بوعود مشروطة بالظروف، أنا أحبك كما يُحب القلب حين يُصيبُه قدرٌ جميل مفاجئ، أحبك بلا مسبقات وبلا موازنات وبلا انتظار مقابِل، أحبك كما تُحب الأرض المطر حين يعود بعد غياب طويل، وكما يُحب الليل نجومه حتى حين تخذله السحب، أحبك حبًا يتجاوز الزمن والمسافة واللغة، حبًا لا يُفسَّر ولا يُقاس ولا يُحاصَر. أحبك حتى حين أخاف من شدة هذا الحب، وحتى حين أشعر أنه أوسع من قدرتي على الاحتواء، أحبك كبحرٍ يختار عاصفته، وكشجرةٍ تعانق الريح حتى لو انحنت.
أنا لا أدّعي الكمال ولا أزعم أنني الأجمل أو الأبلغ أو الأقدر على احتوائك، لكنني أجيد الاستماع لك بطريقة تشبه الاحتضان الصامت، أجيد الإنصات لتفاصيلك الصغيرة التي تشكّل عالمك الخاص، أعرف كيف أستقبل ثرثرتك وكأنها موسيقى خفية تنساب في أذني، أعرف متى يتعب صوتك، ومتى يلمع حين تفرحين، أعرف متى تضحكين من قلبك، ومتى تضحكين هربًا من وجعٍ ، لا تريدين الاعتراف به. أعرف صمتك بكل طبقاته الصمت الثقيل حين يثقل عليك العالم، والصمت الهادئ حين تحتاجين إلى نفسك، والصمت العميق حين تغرقين في أفكارك.
وأنا بارع في التقبّل، أتقبّل غيرتك حتى حين تبدو بلا سبب، لأنني أرى خلفها خوفًا رقيقًا من الفقد، وقلقًا إنسانيًا عميقًا، أتقبّل القليل من حبك قبل الكثير، لأنني أعرف أن القلوب تُفتح ببطء، وأن الثقة تُبنى على مهل، أتقبّل صمتك المفاجئ حين يختنق صدرك، ولا أراه ابتعادًا، بل استراحة روح. أتقبّل عزلتك وغيابك حين تحتاجين إلى أن تكوني وحدك قليلًا، لا أراك حينها بعيدة، بل أراك تعيدين ترتيب نجومك الداخلية لكي تعودي إليّ أكثر صفاءً.
ربما لستُ الأعظم، ولا الأكثر بلاغة، ولا الأكثر كمالًا، لكنني بلا ادعاء أجيد حبك بطريقة تشبه الصلاة الصامتة، أحبك حين تكونين قوية كجبلٍ لا تهزّه الرياح، وحين تكونين هشة كزجاجٍ رقيق، أحبك حين تبتسمين فتفتحين أبواب الضوء في صدري، وحين تبكين، فأشعر أن المطر يسقط بداخلي. أحبك حين تحضرين فتملئين المكان حياة وحين تغيبين، فتتركين فراغًا نابضًا بذكراك، أحبك بلا أقنعة وبلا تجميل وبلا شروط وبلا مساومات.
ولهذا، سأقولها كما تُقال الحقيقة التي لا تحتاج زينة ولا تبرير، سأقولها بصوتٍ يرتجف لكنه صادق، أحبك لأن قلبي اختاركِ دون استشارة عقلي، أحبك لأن العالم يصبح أقل قسوة حين تكونين فيه، ولأن الأيام تبدو ألين حين تكونين قريبة مني، سأظل أقولها مهما تغيّر الزمن، ومهما تبدلت الوجوه، ومهما ثقلت الحياة، سأقولها كل مرة كما لو كانت المرة الأولى والأخيرة، أحبك بلا شروط ودون قيود.