رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

في ذكرى ميلاده.. لورد بايرون شاعر أوروبا الذي حول التمرد إلى شعر

 لورد بايرون
لورد بايرون

تحل اليوم ذكرى ميلاد شاعر أوروبا الأشهر اللورد جورج جوردون بايرون، أحد أبرز رموز الحركة الرومانسية في الأدب العالمي، والذي ولد في الثاني والعشرين من يناير عام 1788، ليصبح لاحقًا واحدًا من أكثر الشعراء تأثيرًا في الوجدان الإنساني، ليس فقط بما تركه من قصائد خالدة، بل بما مثله من حالة تمرد فكري وأدبي على واقع اجتماعي وسياسي مأزوم عاشته أوروبا في نهاية القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر.

جاء ميلاد بايرون في زمن مضطرب، كانت فيه أوروبا تموج بتغيرات عميقة فرضتها الثورة الصناعية، وما صاحبها من اتساع الهوة بين الطبقات، وتفاقم معاناة العمال والفقراء، في مقابل ازدهار الطبقة الأرستقراطية، وفي هذا المناخ القاسي، وُلد شاعر سيجعل من الشعر ساحة للاحتجاج، ومن القصيدة ملاذًا للروح الإنسانية الباحثة عن الحرية والعدالة.

نشأة متقلبة

وُلد بايرون في أسرة أرستقراطية عريقة، لكنه لم ينعم بحياة مستقرة في طفولته، إذ عانى من تقلبات نفسية واجتماعية تركت أثرها العميق في شخصيته وأدبه.

ورث لقب «اللورد» في سن صغيرة، وانتقل لاحقًا إلى لندن حيث التحق بجامعة كمبردج، وهناك بدأت تتشكل ملامح وعيه الأدبي والفكري، فجمع بين ثقافة كلاسيكية واسعة وحسّ إنساني مرهف، جعله أكثر قربًا من معاناة الناس، رغم انتمائه الطبقي.

وبرغم جذوره الأرستقراطية، لم يكن بايرون شاعر القصور، بل كان ناقدًا شرسًا للنظام الطبقي، ساخرًا من مظاهر الترف الزائف، ورافضًا للنفاق الاجتماعي، وهو ما جعله شخصية مثيرة للجدل في المجتمع الإنجليزي المحافظ آنذاك.

بدايات أدبية

في عام 1807، نشر بايرون أول أعماله الشعرية بعنوان «ساعات الكسل»، والذي قوبل بهجوم عنيف من بعض النقاد، خاصة في مجلة أدنبرة الأدبية، إلا أن هذا الهجوم لم يحبطه، بل رد عليه بقصيدته الشهيرة «الشعراء الإنجليز والنقاد الاسكتلنديون»، التي كشفت مبكرًا عن جرأته وحدّة لغته، وقدرته على المواجهة، وأكدت أنه شاعر لا يخشى الصدام.

بين البرلمان والشعر

دخل بايرون مجلس اللوردات البريطاني في سن مبكرة، آملاً في أن يكون للسياسة دور في إصلاح الأوضاع الاجتماعية، إلا أن الواقع خيّب آماله سريعًا، خاصة بعد القرار القاسي بإعدام العمال الذين قادوا احتجاجات ضد ظروفهم البائسة في المصانع.

عندها أدرك بايرون أن السياسة قد تكون قيدًا لا وسيلة خلاص، فاختار الانسحاب منها، معلنًا أن الشعر سيكون سلاحه الحقيقي للتعبير عن أفكاره والدفاع عن الإنسان.

الشهرة الكبرى

جاء التحول الأكبر في حياة بايرون عام 1812، مع نشر أول أناشيد ملحمته الشعرية الخالدة «أسفار تشايلد هارولد»، التي لاقت نجاحًا مدويًا، وجعلته بين ليلة وضحاها نجمًا أدبيًا تتناقل الأوساط الثقافية اسمه بإعجاب. وفي هذا العمل، قدّم شخصية شاعرية شبيهة به، تجوب أوروبا، متأملة تاريخها، وحروبها، وأحزانها، في نص يجمع بين السيرة الذاتية والرؤية الفلسفية.

حياة على الهامش

لم تكن حياة بايرون الشخصية أقل اضطرابًا من شعره؛ فقد عاش زيجة قصيرة انتهت سريعًا، ثم غادر إنجلترا نهائيًا، متنقلًا بين بلجيكا وألمانيا وسويسرا وإيطاليا، هربًا من المجتمع الذي ضاق بتمرده وحريته. وفي تلك الرحلات، كتب أعمالًا مهمة مثل «القرصان»، و«عروس أبيدوس»، و«لارا»، وصولًا إلى ملحمته الساخرة «دون جوان»، التي مزج فيها بين النقد الاجتماعي والسخرية اللاذعة والتأمل الوجودي.

الحرية فعلًا

لم يكن بايرون شاعرًا يكتفي بالكلمات، بل آمن بأن الدفاع عن الحرية يجب أن يتحول إلى فعل، ولهذا انضم عام 1823 إلى الثورة اليونانية ضد الاحتلال العثماني، وساهم بماله وجهده في دعم القضية، حتى ساءت حالته الصحية، وأصيب بالحمى، ليفارق الحياة في اليونان عام 1824، بعيدًا عن وطنه، لكنه قريبًا من القيم التي آمن بها.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء