رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

بحّ صوتنا لسنوات ونحن نطالب الحكومة بفرض رقابة تكنولوجية صارمة على المواقع والألعاب الإلكترونية التي  تسبب أضراراً مباشرة بالمجتمع، وفي مقدمتها المواقع الإباحية المفتوحة والمجانية، وكذلك الألعاب الإلكترونية الخطرة التي تروج للعنف، وتسبب الإدمان، وتستنزف عقول الأطفال والشباب، وتستنزف موارد الأسر، وتستهلك طاقة الإنترنت فيما لا يفيد.

 


ولسنا في حاجة إلى إعادة سرد أنواع الجرائم التي تسببت فيها تلك المواقع والألعاب بشكل مباشر ، من حوادث قتل لم نكن نألفها في مجتمعنا، إلى جرائم الاتجار بالبشر، والانحرافات السلوكية، وغيرها من البلاوى والمصايب التي كان يمكن تجنبها لو أدركت الحكومة مبكراً حجم هذه المخاطر والخسائر التي تنعكس على المجتمع بأسره.

 


من هنا سعدنا بإهتمام "الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية " بتناول هذه القضية عبر مسلسل  " لعبة وقلبت بجد " بطولة أحمد زاهر، وإخراج حاتم متولي، والذي يدور في جوهره حول تأثير السوشيال ميديا والألعاب الإلكترونية على الأسرة المصرية، وما يترتب عليها من جرائم ابتزاز إلكتروني، واختراقات، وتهديد مباشر لأمن الأسر عبر ما يُعرف بالهكرز واللصوص الإلكترونيين.

 


وقد نجح المسلسل منذ حلقاته الأولى في جذب المشاهدين، خاصة الأسر التي تضم أطفالا، وتعاني بالفعل من حالات إدمان واضحة، وتعيش قلقا ورعبا يوميا على أبنائها.


فآثار سيطرة الألعاب الإلكترونية على الأطفال لم تعد خافية، بل تظهر مبكرا في صورة توتر وقلق وضعف تركيز  وانشغال دائم بالحديث عن تلك الألعاب.

 


وتزداد الخطورة مع طبيعة هذه الألعاب المفتوحة، التي تتيح التواصل عن بُعد مع أشخاص مجهولين، أغلبهم من خارج مصر، وبعضهم قد يكون مغرضا أو مكلفا بمهمات لتخريب عقول الأطفال أو التأثير في سلوكهم وأخلاقياتهم.

 


وتمكن المسلسل من ربط المشاهدين بشخصية الطفل  "  يوسف" مريض السكري، كما تعلق الجمهور بأسرته، بوالده الذي جسده الفنان أحمد زاهر، ووالدته التي أدتها الفنانة السورية ريام كفارنة. وحتى الحلقة التاسعة  ظل المشاهدون متعاطفين مع هذه الأسرة التي تعرضت للابتزاز عبر إحدى الألعاب الإلكترونية، قبل أن ينجح الأب، بمساعدة مباحث الإنترنت، في كشف الجريمة والقبض على المجرم الذي حاول خطف الطفل " يوسف " وهنا تبرز رسالة مهمة عن ضرورة الابلاغ السريع عن اى مجرم يبتز الطفل وأسرته  .

 


بالفعل تحول "يوسف " إلى أيقونة للمسلسل، وازداد تعاطف الجمهور معه بسبب معاناته مع " سكري الأطفال " إلى أن تعرض للتنمر من أحد زملائه في المدرسة، ما أدى إلى دخوله في غيبوبة سكر ، وأثناء محاولة والدته إنقاذه ونقله إلى المستشفى، يقع حادث طريق يودي بحياة يوسف ووالدته معا ، تلك الأم التي أحبتها الجماهير لسماحتها وهدوئها وتفانيها في أسرتها طوال حلقات العمل.

 


وهنا ينقلب مسار المسلسل وهدفه رأسا على عقب ، فبدلًا من التركيز على مخاطر إدمان الألعاب الإلكترونية، اتجه صُناع العمل إلى توسيع الدائرة بالمرور على ظاهرة التنمر، وهي ظاهرة خطيرة بلا شك، ولا اعتراض على مناقشتها في عمل درامي يستهدف الأسرة المصرية ، لكن يبقى السؤال: لماذا الإصرار على قتل الطفل وأمه؟ ولماذا تصوير بشاعة اللحظة بهذا الشكل، في عمل يستهدف - في جزء كبير منه - فئة الأطفال؟
فالنتيجة كانت موجة من البكاء والصدمة بين الأطفال، واضطر أولياء الأمور إلى إغلاق القناة والبحث عن أعمال أخرى لتخفيف حالة الحزن والنكد عن صغارهم، بعدما شكلت مشاهد الفقد صدمة نفسية قاسية في سن مبكرة.

 


وهكذا، فقد العمل قدرته على إيصال رسالته الإعلامية والدرامية للفئة المستهدفة، ووقع في فخ فقدان الجمهور الذي كان يسعى للتأثير فيه.

 


كان من الممكن الاكتفاء بدخول  " يوسف " في غيبوبة سكر، أو حتى إصابته في حادث، دون اللجوء إلى نهايات مأساوية بهذا القدر من القسوة ، فالمبالغة في الصدمة أضاعت الهدف الأساسي، بدل أن تخدمه.

 


هذا النوع من الأعمال الدرامية يستلزم وقفة جادة من صُناعه، وضرورة الاستعانة بأكاديميين ومتخصصين في علم النفس والاجتماع، لتحديد طبيعة الرسالة المستهدفة، وضمان التركيز عليها بالشكل الذي يحافظ على الجمهور، ويحقق التأثير المطلوب دون أذى نفسي، خاصة للأطفال.

 


وفي الختام، نعيد التذكير بالحكومة ووزاراتها المعنية، التي لم تترك كبيرة ولا صغيرة في المجتمع إلا وفرضت عليها ضريبة أو رسما أو جمركا، وكان آخرها فرض رسوم جمركية على الهاتف المحمول الشخصي للمصريين القادمين من الخارج، رغم كونه هاتفا شخصيا، بينما تترك مخاطر جسيمة تحيط بأبنائنا من كل جانب، وتتزايد معدلات الجريمة وتتنوع يوما بعد يوم، دون تحرك جاد بحجم هذا الخطر .
 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء