دبلوماسية «النبيذ وجرينلاند».. من يدفع فاتورة رسوم ترامب الجمركية؟
كشفت دراسة حديثة أن الأمريكيين تحملوا 96% من تكاليف التعريفات الجمركية التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مما يحول هذه الرسوم إلى "ضريبة خفية" تثقل كاهل المستهلك الأمريكي، رغم وعود الإدارة بأن الدول الأجنبية هي من ستتحمل الفاتورة.
وأوضحت صيفة “لوس أنجلوس تايمز”، أنه بينما كانت أنظار "وول ستريت" تتجه صباح الثلاثاء صوب المحكمة العليا بانتظار حكم تاريخي بشأن قانونية هذه التعريفات، خيّم الصمت على القاعة؛ إذ لم يصدر أي قرار، ومع دخول المحكمة في عطلة لمدة أربعة أسابيع، سيبقى أهم سياسات ترامب الاقتصادية تأثيراً في حالة "تجميد" حتى أواخر فبراير المقبل.
ضريبة استهلاك بـ 200 مليار دولار
وفي سياق متصل، أصدر معهد "كيل" للاقتصاد العالمي (مؤسسة بحثية ألمانية مرموقة) حكماً اقتصادياً قاسياً، مؤكداً أن التعريفات لا تنقل الثروة من الخارج إلى أمريكا، بل تنقلها من جيوب المستهلكين الأمريكيين إلى الخزانة العامة.
ووفقاً للمعهد، فإن مبلغ الـ 200 مليار دولار الذي جمعته الخزانة الأمريكية من تعريفات ترامب في عام 2025 ليس إلا "ضريبة استهلاك" دفعها المواطنون. ووصف الباحثون هذه السياسة بأنها "هدف في المرمى الشخصي"، مؤكدين أن الأمريكيين هم من يسددون الفاتورة بالكامل.
2026: عام الانفجار التضخمي؟
التوقعات المستقبلية تبدو أكثر قتامة؛ حيث يحذر خبيران اقتصاديان بارزان، وهما بيتر أورزاغ (الرئيس التنفيذي لشركة لازارد) وآدم بوزين (رئيس معهد بيترسون)، من أن التضخم قد يتجاوز 4% بحلول نهاية عام 2026.
ويرى الخبيران أن الهدوء النسبي الذي شهده عام 2025 كان "خدعة" بصرية؛ إذ امتص المستوردون التكاليف مؤقتاً عبر المخزونات المتراكمة، لكن هذا الاحتياطي أوشك على النفاد. وبحلول منتصف العام الحالي، ستنتقل هذه التكاليف مباشرة إلى أسعار السلع على الرفوف.
"أزمة جرينلاند" ونبيذ فرنسا: التعريفات كأداة سياسية
على الرغم من هذه التحذيرات، لا تزال إدارة ترامب متمسكة بموقفها. وصرح المتحدث باسم البيت الأبيض، كوش ديساي، قائلاً: "المصدرون الأجانب الذين يعتمدون على السوق الأمريكية هم من سيدفعون الثمن في النهاية".
لكن الواقع يشير إلى أن ترامب بدأ يستخدم التعريفات كأداة "دبلوماسية شخصية" بعيدة كل البعد عن قواعد التجارة التقليدية؛ فقد هدد مؤخراً برفع الرسوم على الدول الأوروبية لرفضها خطته للاستحواذ على "جرينلاند"، كما هدد بفرض رسوم بنسبة 200% على النبيذ الفرنسي رداً على موقف الرئيس إيمانويل ماكرون من "مجلس السلام" الذي اقترحه ترامب.
لماذا لا يخفض المصدرون أسعارهم؟
أظهرت دراسة معهد "كيل"، المبنية على 25 مليون معاملة تجارية، أن المصدرين (خاصة من الهند والبرازيل) فضلوا خسارة حصتهم في السوق الأمريكية على خفض هوامش ربحهم. وتعود الأسباب إلى الأسواق البديلة لأن الولايات المتحدة سوق ضخمة، لكنها ليست الوحيدة؛ فأوروبا وآسيا تظلان خيارين متاحين.
وأوضحت أن التعريفات مرتفعة لدرجة أن امتصاصها سيجعل التصدير غير مربح نهائياً، وغياب البديل حيث يعرف المصدرون أن المستورد الأمريكي لا يملك خيارات سريعة لاستبدال الموردين، مما يضعف الضغط لخفض الأسعار.
فاتورة الترحيلات ونقص العمالة
لا تقف الضغوط عند الحدود الجمركية؛ إذ يحذر "أورزاغ" و"بوزين" من أن سياسة الترحيل الجماعي للعمال الأجانب ستؤدي إلى نقص حاد في الأيدي العاملة، مما يرفع الأجور في قطاعات مثل الرعاية الصحية المنزلية (التي ارتفعت تكاليفها بالفعل بنسبة 10%)، وهو ما سيغذي موجة التضخم القادمة.
بينما يطوي ترامب العام الأول من ولايته الثانية، يظهر الاقتصاد الأمريكي علامات إجهاد واضحة. ومع بقاء التعريفات في "برزخ" قانوني أمام المحكمة العليا، لا توجد إشارات تلوح في الأفق بأن الأوضاع ستتحسن قريباً.