رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

دعني أحكي لك عن أزمة تبدو في ظاهرها تقنية، لكنها في حقيقتها مسألة وجود. حين تصل رسالة من الرئيس الأمريكي إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي، تتحدث عن رغبة واشنطن في الوساطة بين مصر وإثيوبيا لإنهاء أزمة سد النهضة، فأنت لا تقرأ مجرد خطاب دبلوماسي عابر، بل تقف أمام لحظة سياسية فارقة. لحظة اختبار قدرة أمريكا على حل الأزمات، وليس إدارتها أو تأجيل انفجارها.

قضية سد النهضة ليست خلافًا على أرقام وسنوات ملء وتشغيل، بل هي حكاية نهر. نهر يعيش عليه أكثر من مئة مليون مصري، ويعتمد عليه السودان، وتسعى إثيوبيا من خلاله إلى تثبيت حقها في التنمية. هنا تتقاطع الحقوق، ويبدأ الخطر حين يشعر طرف أن حياته مهددة، بينما يرى الطرف الآخر أن مستقبله مرهون بالمشروع. من هذا التعقيد تحديدًا تنبع خطورة الأزمة، ومن هنا أيضًا تنبع أهميتها على طاولة القرار الدولي.

عندما تدخل الولايات المتحدة على خط الوساطة، فإنها تدخل وهي تحمل تاريخًا طويلًا من إدارة الأزمات أكثر من حلها. لكن هذه المرة مختلفة. نجاح واشنطن في تقريب وجهات النظر وصياغة اتفاق عادل وملزم يعني أنها قررت أن تنتقل من دور الإطفاء السياسي إلى دور المهندس الذي يعيد بناء الثقة. ويعني أيضًا أنها تدرك أن ترك أزمة بهذا الحجم دون حل قد يدفع المنطقة كلها إلى مسار لا يمكن التحكم في نتائجه.

ولو عدنا قليلًا إلى تجارب العالم، سنكتشف أن ما يبدو مستحيلًا قد تحقق من قبل. تخيل أن الهند وباكستان، رغم الحروب والعداء المزمن، استطاعتا التوصل إلى اتفاق حول نهر السند، وصمد هذا الاتفاق لعقود. وتخيل أن أوروبا، التي عرفت الحروب المدمرة، وهي تجلس حول أنهار الدانوب والراين لتديرها بالتعاون لا بالصراع. وحتى في إفريقيا، حيث تتشابه الظروف مع حوض النيل، نجحت دول نهر السنغال في تحويل المياه من مصدر خلاف إلى أداة شراكة. هذه النماذج تقول لنا بوضوح: المشكلة ليست في النهر، بل في غياب الإرادة والضمان.

وهنا تحديدًا تظهر أهمية نجاح حل أزمة سد النهضة؛ لأنه لن يكون حلًا محليًا أو إقليميًا فقط، بل نموذجًا دوليًا مكتمل الأركان. نموذج تقول من خلاله واشنطن للعالم إن النزاعات المائية يمكن حلها عبر قواعد واضحة: احترام حقوق دول المصب، عدم الإضرار، ضمان التنمية، ووجود آلية دولية للرقابة والتنفيذ. هذا النموذج ستراقبه دول تعاني من الأزمات نفسها، مثل العراق وسوريا في مواجهة سياسات تركيا المائية على نهري دجلة والفرات، ودول حوض نهر الأردن التي تعيش توترًا دائمًا حول تقاسم المياه، ودول آسيا الوسطى التي تتنازع على الأنهار بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، وكذلك دول حوض نهر الميكونغ في جنوب شرق آسيا. جميعها ستنظر إلى سد النهضة باعتباره سابقة يمكن البناء عليها أو مرجعًا يُحتكم إليه.

لو نجحت أمريكا في حل أزمة سد النهضة، فلن يكون ذلك انتصارًا دبلوماسيًا عابرًا، بل رسالة إلى العالم بأن النزاعات المائية يمكن حلها دون تهديد أو فرض أمر واقع. وستجد دولًا كثيرة تنظر إلى هذه التجربة كنموذج يُحتذى، من العراق وسوريا وتركيا في أزمة دجلة والفرات، إلى دول الشرق الأوسط حول نهر الأردن، إلى دول آسيا الوسطى وجنوب شرق آسيا التي تتنازع على الأنهار العابرة للحدود. عندها يصبح سد النهضة درسًا عالميًا لا مجرد أزمة إفريقية.

وفي قلب هذا المشهد، سيظهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بوصفه رجل صفقات استطاع أن يبرم واحدة من أصعب الصفقات في عالم السياسة، صفقة توازن بين حق التنمية وحق الحياة. صفقة تقول إن القوة الحقيقية لا تُقاس بعدد القواعد العسكرية، بل بالقدرة على منع الصراعات قبل أن تتحول إلى حروب.

في النهاية، ستدرك أن سد النهضة ليس مجرد سد، وأن الرسالة الأمريكية ليست مجرد ورقة. نحن أمام اختبار حقيقي لمعنى القيادة العالمية، وأمام فرصة نادرة ليُكتب في التاريخ أن أزمة مياه كادت تشعل صراعًا تحولت إلى نموذج تعاون، لأن هناك من اختار أن يصنع الحل بدلًا من أن يدير الأزمة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء