تنعقد الدورة 56 لمنتدى دافوس في سياق دولي يتسم باضطراب بنيوي يتجاوز الأزمات الدورية، ليعكس تحوّلاً في طبيعة النظام الدولي ذاته. فالتراجع المتسارع للتعددية، وتآكل الثقة في المؤسسات الدولية، وتصاعد النزعات القومية الاقتصادية، تشي جميعها بانتقال العالم من مرحلة “الليبرالية المؤسسية” التي حكمت ما بعد الحرب الباردة، إلى مرحلة أقرب إلى الواقعية الجديدة حيث تعود الدولة، وقوتها الصلبة، ومجالات نفوذها الجغرافية، إلى مركز التحليل والممارسة السياسية.
من هذا المنظور، لا يمكن فهم دافوس 2026 باعتباره منتدى اقتصادياً خاصة هذه الدورة ، بل باعتباره فضاءً تتقاطع فيه ثلاث مقاربات نظرية كبرى: الواقعية السياسية، والليبرالية المؤسسية، والاقتصاد السياسي الدولي النقدي، في محاولة لإدارة نظام عالمي يتجه نحو مزيد من التشرذم.
مع استقراء السياق العالمي وتحول بنية النظام الدولي من التعاون إلى الصراع المُنظّم فوفقاً للمدرسة الواقعية، فإن النظام الدولي محكوم بالفوضى البنيوية (Anarchy) ، حيث تسعى الدول إلى تعظيم أمنها وقوتها. هذا المنطق الذي ظل مكبوحاً جزئياً خلال العقود الماضية بفعل المؤسسات الدولية والعولمة الاقتصادية، عاد بقوة مع تصاعد المنافسة بين الولايات المتحدة والصين وروسيا.
خاصة ان دافوس 2026 يأتي في لحظة يمكن توصيفها، نظرياً، بمرحلة “الانتقال في ميزان القوى” (Power Transition)، حيث تتآكل الهيمنة الأمريكية النسبية، دون أن يظهر بديل قادر على فرض استقرار جديد. ونتيجة لذلك، تتقدم المخاطر الجيو-اقتصادية والنزاعات التجارية على قضايا المناخ والتنمية، ويُعاد تعريف “الأمن” ليشمل سلاسل الإمداد، والطاقة، والتكنولوجيا، والمعادن النادرة.
كما أن شعار المنتدى “روح الحوار” يمكن قراءته من منظور ليبرالي باعتباره محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الاعتماد المتبادل المعقّد (Complex Interdependence)، إلا أنه واقعياً، يعكس إدراكاً ضمنياً بأن العولمة الشاملة لم تعد قابلة للاستعادة بصيغتها السابقة.
غير أن البعد الأكثر حساسية في دافوس 2026 يتمثل في ملف القطب الشمالي وجرينلاند تحديداً، الذي بات رمزاً لتحول استراتيجي أعمق في بنية النظام الدولي.
فقد اعتبرت صحيفة “فايننشال تايمز” أن مسعى ترامب للسيطرة على جرينلاند يقلب الصيغة التقليدية للتعاون التي سادت لعقود بين دول الشمال الأوروبي الصغرى والقوى الكبرى، ويفتح الباب أمام نمط جديد من التنافس يشبه “اللعبة الكبرى” في القرن التاسع عشر، حين تنازعت الإمبراطوريات مناطق النفوذ في آسيا الوسطى.
وفق هذا التصور، لم تعد جرينلاند مجرد جزيرة ذات أهمية جغرافية أو اقتصادية، بل نقطة ارتكاز لنظام عالمي جديد قائم على تقسيم مناطق النفوذ، فالسيطرة الأمريكية المحتملة عليها قد تدفع روسيا لمحاولة توسيع نفوذها في أرخبيل سفالبارد التابع للنرويج، بينما تسعى الصين إلى إحكام سيطرتها على طريق البحر الشمالي، الذي يختصر زمن الشحن إلى أوروبا إلى النصف، ويمنح بكين أفضلية استراتيجية في التجارة العالمية. وهكذا، يتحول القطب الشمالي من فضاء للتعاون العلمي والبيئي إلى مسرح مواجهة غير مباشرة بين القوى الكبرى، تتداخل فيه المصالح الاقتصادية مع الحسابات العسكرية.
في موازاة ذلك، لا يمكن الحديث عن دافوس بمنأى عن المشاركة المصرية حيث يكتسب حضور الرئيس عبد الفتاح السيسي واجتماعاته على هامش المنتدى أهمية خاصة، لا سيما في ما يتعلق بملف الموانئ والخدمات اللوجستية، فالموانئ لم تعد مجرد منشآت اقتصادية، بل أدوات نفوذ في شبكة التجارة العالمية، وعناصر أساسية في معادلة الأمن الاقتصادي. وتسعى مصر، من خلال طرح مشاريع تطوير الموانئ وربطها بقناة السويس، إلى تثبيت موقعها كمركز محوري في حركة التجارة الدولية، والاستفادة من إعادة رسم سلاسل الإمداد العالمية في ظل التوترات المتصاعدة بين الشرق والغرب. بهذا المعنى، تحاول القاهرة تحويل موقعها الجغرافي إلى مصدر قوة تفاوضية.
كما يكتسب الحديث عن لقاء الرئيس عبدالفتاح السيسي بنظيره الأمريكي دونالد ترامب على هامش منتدى دافوس دلالة سياسية. فاللقاء يعكس اعترافًا أمريكيًا ضمنيًا بمركزية الدور المصري في إدارة ملفات إقليمية شديدة التعقيد، وفي مقدمتها الحرب في قطاع غزة، وأمن شرق المتوسط، واستقرار الممرات البحرية الحيوية. كما يؤكد أن الدولة المصرية لا تزال تمثل قناة اتصال لا غنى عنها لواشنطن في الشرق الأوسط، خاصة في مرحلة تتسم بتراجع الأدوات الأمريكية التقليدية وصعود أنماط أكثر خشونة في إدارة الصراعات.
ويُظهر هذا اللقاء كذلك قدرة مصر على توظيف منصات دولية كبرى مثل دافوس لتعزيز حضورها السياسي، وربط الملفات الاقتصادية بالأمنية والدبلوماسية، في إطار تصور شامل للأمن القومي لا يقتصر على الحدود المباشرة، بل يمتد إلى استقرار الإقليم ككل. فمصر تدرك أن جذب الاستثمارات أو دعم الاقتصاد لا ينفصل عن صورتها كفاعل عقلاني حذر ومسئول في إدارة الأزمات.
أما فيما يتعلق بقطاع غزة، فقد برز الدور المصري بوصفه حجر الزاوية في التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار، ثم تثبيته في مرحلته الأولى، عبر شبكة اتصالات معقدة شملت إسرائيل، والفصائل الفلسطينية، والولايات المتحدة، والأطراف الإقليمية الفاعلة. هذا الدور نتاج تراكم طويل من الخبرة المؤسسية لدى أجهزة الدولة المصرية في إدارة الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، وفهم حساسياته الأمنية والسياسية والإنسانية.
وتتجلى سياسة الاتزان الاستراتيجي هنا في حرص القاهرة على الجمع بين اعتبارات متعارضة ظاهريًا: فمن جهة، الحفاظ على أمنها القومي وحدودها مع القطاع ومنع سيناريوهات الانفلات أو التهجير القسري، ومن جهة أخرى، الدفع نحو تخفيف المعاناة الإنسانية لسكان غزة، وضمان تدفق المساعدات، وتهيئة بيئة تسمح بانتقال العملية السياسية إلى مراحل أكثر استدامة.
وتبرز أهمية الدور المصري بشكل أوضح في المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، وهي المرحلة الأكثر حساسية وتعقيدًا، إذ تتعلق بقضايا جوهرية مثل إدارة القطاع، وإعادة الإعمار، وترتيبات الأمن، ومستقبل السلاح، وطبيعة السلطة الفلسطينية في غزة. وتدرك القاهرة أن نجاح هذه المرحلة لا يعتمد فقط على النصوص المكتوبة، بل على القدرة العملية على تفكيك العراقيل السياسية والأمنية التي قد تضعها أطراف مختلفة، سواء بدوافع داخلية أو إقليمية
من الناحية التقديرية.
يمكن القول إن دافوس 2026 يمثل نقطة انتقال من مرحلة كانت فيها المنتديات الدولية تُستخدم لاستشراف المستقبل، إلى مرحلة بات الهدف فيها إدارة أزمات الحاضر المعقدة. فتباطؤ النمو العالمي، وتصاعد التنافس الجيوسياسي، وتسارع التحولات التكنولوجية، تجعل من “الحوار” ضرورة عملية لتفادي الانزلاق إلى صدامات أوسع، وليس مجرد خيار دبلوماسي أو شعار أخلاقي.