رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

لنبدأ بسؤال عكسي: هل من الممكن أن تختفي الثقافة؟ وبالرغم من أنه سؤال افتراضي غير قابل للتحقيق، ولكن دعونا نتخيل شخصًا أو مجموعة لا توجد لها معتقدات أو قيم أو معارف ولا إحساس ولا هوية ولا يُعرف لها سلوكيات محددة، هل هذا ممكن؟ ببساطة هذا غير ممكن على الإطلاق، ربما يمكن أن نطلق عليه مصطلح "غياب الثقافة"، والمقصود هنا الإيجابية في المعتقد والشعور والسلوك، فغياب القيم الإيجابية يفسح المجال للقيم السلبية أن تتضخم وتنتشر، وللأسف فإنها ستكون الثقافة الجديدة للفرد والمجتمع، حتى اللصوص لديهم ثقافة تجمعهم، ولديهم معارف ويقومون بسلوكيات وإن كانت مشينة إلا أنها متداولة فيما بينهم.

وإذا حاولنا فصل الجزء الخاص بالمعتقدات والسلوكيات جانبًا وقمنا بالتركيز على الثقافة بمعنى المعارف والحكمة وسمو الروح والشعور، فإن ذلك حتمًا سيؤدي أيضًا إلى سلوكيات - ستكون إيجابية - هذا فضلًا على أن تذوق الفنون والجمال في حد ذاته هو غاية لدى الكثيرين دون النظر إلى الإيجابيات اللاحقة، وهذا ما يجعل القارئ يقرأ، والمهتم بالدراما يشاهد، والمهتم بالموسيقى يسمع، والمهتم بالفنون التشكيلية يرى.

ولأن الثقافة ليست أمرًا ملموسًا يمكن قياسه مثلما هو الحال مع الأمور المادية، هنا تأتي الصعوبة والإشكالية المرتبطة بنشر الثقافة والاستفادة بالنتيجة على المستوى الفردي وعلى المستوى المجتمعي، لذلك فإن أول المسلمات الواجب الإيمان بها والاعتراف بها أن الثقافة، وإن كان من الصعب قياسها أو وضعها في إطار مادي، إلا أنها أساسية لا يمكن الاستغناء عنها حتى في تسليح الأفراد والمجتمعات في معاركهم الأخرى المرتبطة بالرقي والنمو والتقدم، فالذي يفتش عن سر التقدم وبناء الحضارات قد يتوقف عند المظاهر ويعتقد أنها هي السبب في هذا التقدم، ولكن المتعمق سيكتشف أن أساس كل ذلك هو الثقافة والفنون وتذوقها والإحساس بها والتفاعل معها.

ومهما تغير الزمن ومهما وصل الإنسان إلى تقدم علمي وتكنولوجي، إذا تشتت ذهنه وتركيزه وانجرف في بحور الماديات فإنه حتمًا سيعرف أنه ينحدر إلى هاوية أو يسير في نفق مظلم بلا أي ضوء في نهايته، لا أعرف إذا كان ما سبق قد أوضح الأهمية، ولكن مد الخط على استقامته في المجتمعات الاستهلاكية الصاخبة بلا ثقافة واضحة سيؤدي بها إلى الانهيار، وخلال الرحلة إلى تلك النهاية سيعاني كافة أفرادها من الكثير من المنغصات والأوجاع الروحية التي لا علاج لها إلا بالعودة إلى الثقافة والفنون.

من مميزات الثقافة أيضًا رحابة الصدر، فالثقافة تحتضن كل المحاولات ولا تفلت منها شيئًا، ولكنها تحتاج إلى ضبط المقادير والعناصر، فلا يمكن أن نستمر في الهزل طوال الوقت ولا في الجدية طوال الوقت أيضًا، فلا يمكن أن تستقيم الحياة مع الاستماع المستمر لأعمال بتهوفن وشوبان وأغنيات أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، ولا يمكن أن نستمر طوال الوقت في الاستماع إلى أغاني المهرجانات التي هي أقرب إلى فنون الشوارع في عصور سابقة، لأن الإشكالية الأكبر هي فقدان حاسة التذوق الثقافي والفني، تخيل إنسانًا فقد حاسة التذوق، في هذه الحالة سيستوي لديه الطعام الشهي المفيد مع الطعام الفاسد المسمم، وستكون النتيجة النهائية غير مرضية على الإطلاق.

إذًا، مثلما هو الحال مع هجمة الذكاء الاصطناعي والتوصيات بضرورة حماية العقل وقدراته والحفاظ عليها، فإن التوصية للثقافة أن نحافظ على حاسة التذوق، تخيل عزيزي القارئ مستقبلًا لا يستخدم فيه الإنسان قدراته العقلية وفي نفس الوقت فقد إحساسه الفني، بئس هذا الإنسان الذي لا أدري لماذا سيصر إلى أن يستمر في الانتماء إلى معشر البشر.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء