تعي القاهرة أن منطقة الشرق الأوسط أصبحت مسرحًا لإدارة الأزمات، وليس حلها، إذ تتقاطع مرئيات الفواعل وتحركاتهم وفقًا لاختلاف أجنداتهم وإنتماءاتهم.. وعليه تتحرك القاهرة خارجيًا، لضبط ميزان الصراعات ومعادلاته القائمة خاصة مع تعاظم أدوات الحرب الرمادية.
إذ في عام 2026، يبدو أن الإقليم قد رسخ لمعادلة أمنية تستهدف «إدارة الصراع وليس التسوية»، وكذلك «ضبط التوتر وليس إنهائه».
اتصالًا بذلك، تتنازع الثوابت المصرية مع مُجمل التغيرات الجذرية والهامشية، وما يلحق به من تصورات الأمن الجماعي حول إعادة تعريف مفاهيم الصداقة والعداء، حجم ومركزية القوة العسكرية كأداة أصبحت حاسمة في مُجمل تفاعلات المنطقة، خاصة مع تباين المحددات التي أعادت تشكيل دوائر الحلفاء - صراعية كانت أو تعاونية أو تنافسية - كموارد الطاقة وتقنيات الذكاء الاصطناعي، وكذلك مستويات التأثير والتأثر لحالة الفواعل من دون الدول، بالإضافة إلى البصمة السياسية والأمنية للدول الإقليمية غير العربية (كحالة إيران وإسرائيل وتركيا) على ترتيبات الشرق الأوسط الجديد، دون إغفال حالة التغير بتحركات فواعل الخليج وآثرها على مستقبل ترتيبات الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط.
الإدارة المنضبطة:
تُوصف تفاعلات الشرق الأوسط بكونها (دوائر السيولة الاستراتيجية المصحوبة بعدم اليقين) التى يًصعب إستشراف معادلاتها من خلال القوالب التحليلة الكلاسيكية التى حكمت التفكير الاستراتيجي خلال العقود السابقة، إتساقًا مع التآكل التراكمى لـ«منظومة الضبط» التي قامت عليها علاقات الإقليم خلال الفترات السابقة فيما قبل2011 وما تلاها من أزمات متتالية.. إذ لم يعد «الردع التقليدي» كافيًا لضبط سلوك الدول، كما أن المؤسسات متعددة الأطراف قد تراجع حجم تأثيرها على فرض الالتزام أو إنتاج تسويات مستدامة، فضلًا عن تحول الاعتماد الاقتصادي المتبادل من عامل استقرار إلى سلاح ضغط متبادل، وصولًا إلى «الهشاشة الإقليمية» وما صاحبها من تراجع القدرة على إعادة إنتاج التوازنات التقليدية، أو بلورة توازانات جديدة تتسق مع طبيعة التحديات السياسية والأمنية الراهنة.
وعليه.. بُنيت المقاربة المصرية لمسارات التحرك الخارجي بما يتسق مع مساعيها المنضبطة لحل أزمات الإقليم ولا يتعارض مع ثوابتها الرئيسية والمتمثلة في: الحفاظ على استقلالية القرار الوطني، ورفض الاستقطاب الدولي، ودعم الدولة الوطنية ومؤسساتها، مع إعطاء الأولوية للحلول السياسية والتسويات المستدامة.
ومن ثم، فيؤشر عام 2026 إلى استمرار القاهرة لضبط الملفات الإقليمية المركزية، خاصة تلك التي تتقاطع بشكل مباشر مع الأمن القومى المصري، وفي مقدمتها: الإسراع باستكمال المرحلة الثانية من خارطة الطريق لاتفاق غزة مع ضمان تثبيت وقف إطلاق النار، والحفاظ على وحدة السودان، ودعم الاستقرار في اليمن وسوريا ولبنان خاصة مع تصاعد إشكالية ثنائية السلاح وحصر السلاح بيد الدولة، وتأمين المسار السياسي فى ليبيا، بالإضافة إلى التهديدات الإستراتيجية لكل من البحر الأحمر والقرن الإفريقي جراء المعالجات الأمنية بأرض الصومال، فضلًا عن محاصرة وتقويض التداعيات الجيوسياسية لتطورات ملف سد النهضة والأمن المائي، جنبًا إلى جنب، مع التوظيف المضاد لإشكالية تنامي تأثير اقتصاديات الصراعات والحدود على الداخل الوطني ومستقبل التنمية بالمنطقة ككل.
الاتزان المصري:
ثمة علاقة تأثير وتأثر ما بين السياق الإقليمي والدولي من جهة، وبين السياق المحلى من جهة أخرى.. وعليه، فقد عمدت القيادة السياسية فيما بعد 30 يونيو إلى تأمين مدارات السياسية الخارجية للدولة المصرية، وترسيم مقاربة نوعية للطوق الجغرافي بمعزل عن معادلات الاستقطاب السياسة عُرفت بعقيد «الاتزان الاستراتيجي»، وذلك بالبناء على عدد من الأوراق الحيوية، أبرزهم:
دحر التنظيمات الإرهابية، وفى مقدمتهم جماعة الاخوان المسلمين المحظورة، وتفكيك التيارات المسلحة للحيلولة دون امتلاك نقاط ارتكاز على هوامش الجغرافيا المصرية، ومحاصرة كافة التحركات الخارجية لإعادة إنتاج نماذج الدول المنهارة (كسوريا ولبنان) على الأراضي المصرية.
تعزيز القدرات العسكرية الفنية واللوجيستية والاستخباراتية بكافة أفرعها، وذلك بمنطقة تعج بالصراعات وضبابية الحسم، إذ أسهم إعادة بناء وتسليح الجيش المصري في تعزيز الثقة، والاستقلالية بمختلف التحركات الخارجية المصرية، والثقل في فرض مرئياتنا تجاه تصورات الحل بالدول المأزومة بالإقليم، وتجاه الترتيبات الجارية لهيكل الشرق الأوسط الجديد.
تعزيز مشاريع البنية التحية، بما يتيح ربط المركز بأطراف الدولة، فضلا عن توظيف تلك النجاحات كأوراق تفاوضية جاذبة للاستتثمارات الأجنبية المباشرة، والترويج لها كنقطة ارتكاز لوجيتسة بمستقبل الممرات التجارية الدولية بالترتيبات التنموية لليوم التالي بالإقليم.
وعليه.. فقد أضفت عقيدة «الاتزان الاستراتيجي» وتحركات «الإدارة المنضبطة» نجاحات مدروسة على مُجمل تحركات السياسية الخارجية المصرية، كما ساهمت بشكل أكثر فاعلية في حماية أمنها الاستراتيجي، بمختلف أبعادة، وسط إقليم مضطرب يتسم بعدم اليقين، ويعاني من تصاعد المخاطر والسيولة الاستراتيجية.