160 عامًا عمر البرلمان المصري، كان تأسيسه في عام 1866 حدثًا بالغ التأثير في الحياة السياسية المصرية. وُلد مجلس شورى النواب حسبما سُمّي في بداياته كعضو في جيل المرحلة الثانية من برلمانات العالم بعد برلمانات المرحلة الأولى أو طليعة البرلمانات. بريطانيا وأمريكا وفرنسا كانت صاحبة الطلعة البرلمانية التأسيسية، وحتى في أمريكا تأسست برلمانات غالبية الولايات ضمن الجيل الأول.
ويُعدّ البرلمان المصري الأول في تأسيسه في المنطقة العربية والشرق الأوسط وأفريقيا، وإن كان بعض المؤرخين يعتبرونه تأسس في عهد محمد علي ولكن ليس في صيغة البرلمانات الحديثة، حيث كان يجتمع الأعيان ونقباء الحرف وغيرهم لمناقشة بعض أمور الدولة مع الباشا والي مصر.
على مدى هذه المسيرة الطويلة للبرلمان المصري، لم تخلُ قاعته من ممثلين للعائلات الكبيرة بالريف، سواء في الصعيد أو الوجه البحري. بل في البدايات كانت السيطرة الفعلية داخل البرلمان للعائلات، حيث كان لعضوية البرلمان شروط معينة لا بد من توافرها وهو ما لم يتوافر إلا للعائلات الكبيرة. لذلك لم تكن سيطرة العائلات الكبيرة على البرلمان المصري ظاهرة عابرة أو استثناء تاريخيًا، بل كانت ولا تزال أحد الأعمدة التي استند إليها البناء النيابي منذ نشأته الأولى.
خلف الشكل الدستوري الحديث، تتحرك بنية اجتماعية أقدم، حيث العائلة ليست مجرد رابطة دم، بل كيان سياسي واقتصادي مكتمل، يمتلك الأرض والمال والناس، ويعرف كيف يحول النفوذ الاجتماعي إلى تمثيل نيابي دائم.
في الصعيد، حيث تتداخل الأرض بالعرف، والدين بالمكانة، برزت عائلات ظل اسمها حاضرًا في البرلمان عبر عقود طويلة، لا بوصفها ممثلة لبرامج أو تيارات، بل باعتبارها سلطة محلية كاملة.
هناك، لا يُختار النائب لخطابه السياسي، بل لدوره كوسيط، وكمركز ثقل، وممسك بخيوط التوازنات العائلية. والمقعد النيابي يُورث في غالب الأحوال كما يُورث الحكم في بعض الدول، من جيل إلى جيل، أو يُعاد إنتاجه عبر المصاهرة المدروسة التي تجمع المال بالنفوذ، والوجاهة بالحماية.
في الدلتا، حيث الرأسمال الزراعي أكثر تنظيمًا، تحولت العائلات الكبيرة إلى ما يشبه أحزابًا محلية غير معلنة. عائلات عرفتها دوائر بعينها، وتكرر تمثيلها النيابي بأسماء مختلفة من العائلة نفسها، مع تبدل اللافتات الحزبية وبقاء القاعدة الاجتماعية ذاتها. لم يكن النائب مجرد ابن عائلة، بل مدير شبكة مصالح، خدمات، وظائف، تدخلات إدارية، وحضور دائم في تفاصيل الحياة اليومية للناخبين. وبمرور الوقت، لم يعد السؤال في هذه الدوائر: من الأجدر؟ بل: ما العائلة الأقوى؟
في الريف القريب من العاصمة، تطورت الظاهرة دون أن تختفي. انتقلت من الإقطاع الزراعي إلى الرأسمالية الصناعية والتجارية، وبرزت عائلات جمعت بين المال الوافر والمقعد النيابي، فجعلت البرلمان امتدادًا طبيعيًا لنفوذها الاقتصادي. هنا، أصبح النائب رجل أعمال، وأصبح التشريع مساحة تفاوض ناعمة بين القوى العائلية والدولة، لا صدامًا، بل شراكة.
ما يجمع بين هذه النماذج، على اختلاف الجغرافيا والعصر، استمرار النمط. العائلة الكبيرة تعرف كيف تتكيف مع كل نظام سياسي، ملكية، ثورة، اشتراكية، انفتاح، تعددية شكلية.
تغيّر خطابها، وتبدلت تحالفاتها، لكنها تحافظ على جوهر قوتها، السيطرة على الدائرة، والتحكم في الصوت الانتخابي، وتحويل النيابة من وظيفة عامة إلى امتياز اجتماعي.
بهذا المعنى، لم يكن البرلمان في كثير من مراحله ساحة صراع بين رؤى سياسية، بل مجلسًا موسعًا لرموز العائلات، تُدار داخله التفاهمات، وتُصاغ التشريعات بدون أن تُربك التوازنات القائمة.
إن احتكار عائلات كبيرة التمثيل النيابي في دوائرها يعني عدم تفكيك البنية الاجتماعية التي تتماهى مع كل الأنظمة وتعيد إنتاجها لمصلحتها. وبينما ظل المقعد النيابي يدور داخل البيوت نفسها، ظل البرلمان، رغم تغير الوجوه، متأثرًا بمنطق نفوذ العائلات والقرابة مع تواري الاشتباك السياسي.
جاءت انتخابات مجلس النواب 2025 استمرارًا لخريطة عائلات الريف بصفة خاصة، والتي شغلت مقاعد بنسبة لافتة في قطاعات واسعة من الريف الصعيدي والدلتا.
الأسماء قد تتبدل، لكن البيوت هي ذاتها، والعائلات الكبيرة ما زالت تعرف الطريق إلى البرلمان، وتمتلك مفاتيح الدوائر، وتجيد قراءة توازنات الدولة قبل أن تُفتح صناديق الاقتراع. وبالتالي لم تكن الانتخابات تطرح أسئلة حول حاجات الناخب بقدر ما تسعى إلى تحقيق الفوز وضمان المقعد.