رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

من يصنع الطفل العنيف؟ الأسرة أم المدرسة أم الشاشة.. مختصون يوضحون الحل|خاص

صورة توضيحية
صورة توضيحية

لم يعد العنف بين الأطفال داخل المدارس سلوكا فرديًا أو حادثة عابرة يمكن تجاهلها، بل تحول إلى ظاهرة مقلقة تعكس خللًا عميقًا في منظومة التنشئة النفسية والاجتماعية، مشاهد الضرب، التنمر، الإيذاء اللفظي، وفرض السيطرة باتت تتكرر داخل الفصول وساحات المدارس، حاملة معها تساؤلات ملحة حول الأسباب الحقيقية وراء هذا التصاعد، ودور الأسرة، والمدرسة، والإعلام، في تشكيل وعي الطفل وسلوكه.

وفي هذا السياق، تواصل موقع "إيجبتك"مع مختصين ليقدما قراءة نفسية عميقة تكشف أن العنف ليس فطرة يولد بها الطفل، بل سلوك مكتسب، تسهم عدة عوامل في تغذيته منذ السنوات الأولى من العمر.

السنوات الأولى.. حجر الأساس في تشكيل السلوك العنيف

قالت د. نادية جمال، استشاري العلاقات الأسرية والإرشاد النفسي، إن السنوات العمرية الأولى للطفل تعد من أخطر وأهم المراحل في تشكيل شخصيته النفسية والسلوكية، مؤكدة أن ما يتعرض له الطفل في هذه المرحلة ينعكس بشكل مباشر على سلوكه في المستقبل، سواء داخل المدرسة أو في المجتمع بشكل عام.

وأوضحت لموقع "إيجبتك" أن انشغال الأطفال لفترات طويلة بالهاتف المحمول أصبح ظاهرة لافتة، مشيرة إلى أن الطفل بطبيعته ينجذب إلى كل ما هو مثير وغير مألوف، مثل الأصوات العالية والمشاهد السريعة ومقاطع العنف، ما يجعله مستغرقًا في المتابعة دون إدراك أو ملل.

الألعاب الإلكترونية والسوشيال ميديا.. مصنع خفي للسلوك العدواني

وأكدت د. نادية جمال أن تأثير السوشيال ميديا لا يقتصر على الفيديوهات فقط، بل يمتد بشكل أكثر خطورة إلى الألعاب الإلكترونية، خاصة تلك التي تقوم على القتل أو إطلاق النار أو الضرب حتى الموت من أجل الانتقال إلى مراحل أعلى.

وأضافت أن التكرار المستمر لمشاهد العنف داخل هذه الألعاب يجعل الطفل يتعامل مع العنف باعتباره سلوكًا طبيعيًا، بل وسيلة للانتصار وإثبات القوة، وهو ما يؤدي إلى تراجع التعاطف الإنساني، ويغرس داخله فكرة أن السيطرة لا تتحقق إلا بالإيذاء.

وشددت على أن رسالة غير مباشرة تصل للطفل مفادها أن العنف هو اللغة الطبيعية للتعامل مع الآخرين، وهو ما يفسر تصاعد السلوكيات العدوانية بين الأطفال داخل المدارس.

المدرسة.. من ساحة ضغط إلى مساحة احتواء

وفيما يتعلق بدور المدرسة، أكدت د. نادية جمال أن لها دورًا محوريًا في احتواء طاقة الطفل، من خلال الاهتمام بالرياضة والأنشطة والفنون، موضحة أن ممارسة الموسيقى والفنون تنمي الميل للهدوء والتعبير الإيجابي، بينما تعلم الرياضة العمل الجماعي واحترام الآخر وتفريغ الطاقة بشكل صحي بعيدًا عن العنف.

الأسرة.. الجذر الأول للعنف أو الأمان

وأشارت إلى أن الأسرة تبقى العامل الأهم في تشكيل سلوك الطفل، مؤكدة ضرورة معاملة الأطفال باحترام حتى في أوقات الخطأ، عبر الحوار والمشاركة وإتاحة الفرصة للتعبير عن الرأي، مع رفض العقاب البدني لما له من دور خطير في ترسيخ السلوك العنيف.

وأضافت أن الطفل الذي ينشأ في بيئة يسودها العنف أو الإهانة يفقد ثقته بنفسه ويشعر بالدونية، بينما قد ينشأ طفل آخر يعتقد أن القوة والعنف هما الوسيلة الوحيدة لأخذ الحقوق، فيمارس العدوان في محيطه الخارجي.

لماذا لا يضبط الطفل غضبه؟ تفسير علمي للسلوك العنيف

ومن جانبها، قالت د. رحاب العوضي، أستاذ دكتور علم النفس السلوكي، إن العنف بين الطلاب في المدارس لم يعد سلوكًا فرديًا، بل هو نتاج تفاعل معقد لعوامل نفسية واجتماعية وثقافية، أبرزها الإفراط في استخدام الشاشات اللوحية، وغياب النشاط البدني، وانتشار نماذج سينمائية تمجد العنف وتربط القوة بعدم التسامح أو الاعتذار.

وأضافت خلال حديثها لموقع "إيجبتك" أن أحد أهم الأسباب العلمية يتمثل في عدم نضج مراكز ضبط الانفعال، حيث إن الفص الجبهي في الدماغ، المسؤول عن التحكم في الدوافع، لا يكتمل نموه في مرحلة المراهقة، ما يجعل الطفل سريع الغضب، لكنه يفتقر إلى أدوات التنظيم الانفعالي السليم.

كيف يتعلم الطفل العنف؟

وأوضحت د. العوضي أن الأطفال والمراهقين يتعلمون السلوك بالملاحظة والتقليد، فهم يقلدون النماذج التي يرونها ناجحة في الأسرة أو المدرسة أو الإعلام، ما يجعل البيئة المحيطة عاملًا حاسمًا في ترسيخ السلوك العنيف أو الحد منه.

العلاج النفسي.. للمعنف والمعنف معًا

وأكدت أن التأهيل النفسي يجب أن يشمل الطفل المعنف والطفل المعنف على حد سواء، لأن كليهما يعاني من خلل نفسي أو نقص احتياج ما؛ فالعنيف إذا اعتاد استخدام العنف كحل، قد ينتهي به الأمر إلى ضياع مستقبله، بينما المعنَّف قد تتكوّن لديه حالة دائمة من الخضوع والخوف والاستسلام.

وشددت على أن أساليب العلاج تختلف باختلاف العمر ودرجة العنف، فالغضب في مرحلة الحضانة لا يقارن بغضب المراهق، كما أن العلاج قد يبدأ بالإرشاد النفسي المبكر، ثم يتدرج من التوجيه الحازم إلى برامج تعديل السلوك المتخصصة.

خلاصة المشهد.. مسؤولية مشتركة لحماية الطفولة

وفي ختام حديثهما، أكدت د. نادية جمال ود. رحاب العوضي أن مواجهة العنف بين الأطفال مسؤولية مشتركة تبدأ من الأسرة، مرورًا بالمدرسة، ولا تنتهي عند صناع المحتوى الإعلامي، مشددتين على أن الطفل يحتاج إلى احتواء، ونماذج إيجابية، وإرشاد نفسي مبكر، لأن الطفل ليس مجرد كائن يُنشأ بيولوجيًا، بل مسؤولية تربوية ونفسية وأخلاقية تشكل مستقبل المجتمع بأكمله.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء