رحلة وجبة المدرسة من البساطة إلى الاستعراض
في زحمة الحياة التي تُحاصرنا بكل ما هو جذاب وبريق، نجد أنفسنا في حالة حنين إلى زمن مضى لن يعود، زمن نجد فيه تفاصيل حياتنا قبل الكبر تفاصيل صغيرة ولكنها كانت محور حياتنا في ذلك الوقت.. يبدو الأمر إليك أنه بسيط ولكنه يحمل بين طياتها ذكريات لم يمحيها الزمن ، ونحن هنا نتحدث عن «كيس السندوتشات» و«اللانش بوكس» الآن ، ذلك الصراع الرمزي بين رفيق الماضي ورفيق الأطفال اليوم.
قبل أن تغزو ثقافة الاستهلاك حياتنا، كان مشهد الطفل المصري أو العربي وهو يمسك بكيس بلاستيكي شفاف بداخله قطعة من الخبز المحشو بالجبن أو المربى، مشهدًا مألوفًا في طابور الصباح، لم يكن الكيس في ذلك الوقت يعبر فقط عن بساطة الإمكانيات المادية بل كان يعبر أيضاً عن تشابه البيوت المصرية وتشابه الأوضاع الإجتماعية، كانت الأمهات يضعن السندوتشات في الكيس في أقل من دقيقة، دون أن يُشغلهن كثيرًا الشكل الخارجي أو مدى تنسيقه، الجوهر كان هو الأهم بالنسبة إليهن «أن يصل الطفل شبعانًا»، مستعدًا ليوم طويل من الدراسة واللعب.
كان الجميع يحمل بداخل الشنطة كيس أبيض شفاف ذلك الكيس، الذي ربما تمزق أحيانًا أو تسرب بعض الزيت منه على الكتب، لم يكن مصدر إحراج بل جزءًا من هوية جماعية لكل الطلاب، لا يوجد تميز طبقي أو تنافس لإبهار الجميع بوجبة الطعام بل كان هناك مايسمى " بالعدالة الإجتماعية" قبل أن يكون المصطلح ظاهراً في يومنا وكأننا نبحث عن مانعلق عليه ضياع جيل بأكمله في عصر السرعة.
ظهر «اللانش بوكس» مع الغزو الثقافي والعولمة ، تسلل دون استئذان بألوان جذابة وتصميمات مختلفة بل وماركات عالمية، تحول إلى مجرد صندوق ملون يحمل ألوانا مختلفة من الأطعمة ليس من أجل بناء طفل سليم بل من أجل إظهار مكانة البيت الذي جاء منه ولكي يكون الأبرز والأهم بين أصدقائه، لم يعد الاهتمام ينصبّ على مضمون السندوتش فقط، بل على طريقة ترتيبه، وحجم الصندوق، ومدى تطابقه مع حقيبة المدرسة وزجاجة المياه، في مشهد يعكس ثقافة استهلاكية جديدة.
أصبح إعداد «اللانش بوكس» طقسًا يوميًا معقدًا، إذ تقطع الأم الفواكه على شكل قلوب أو نجوم، وتضع الساندوتشات الصغيرة في أقسام منفصلة مزينة، وتراعي الألوان والتنسيق كما لو كانت تقدم لوحة فنية، وبسبب وسائل التواصل الاجتماعي، انتقلت هذه العادة من نطاق البيت إلى الفضاء المطلق، وأصبحت صور «اللانش بوكس المثالي» تتصدر المنصات وتشكل ضغطًا نفسيًا على الأمهات، وتحوّل الفسحة من لحظة عادية إلى مناسبة استعراضية.
ورغم كل هذا البذخ الغير مبرر، يبقى في القلب حنين خاص إلى كيس السندوتشات القديم، ذلك الحنين ليس رفضًا للتطور، بل توقًا إلى البساطة والدفء الإنساني اللذين كانا يحيطان بتفاصيل حياتنا، اللانش بوكس قد يكون صحياً لحفظ الطعام، لكنه لا يحمل تلك الرائحة المختلطة بالخبز البلدي ودفء يد الأم الذي لم يكن ينظر إلى شئ إلى إشباع الأبناء.