رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

عباس شومان: الفتوى ليست مجرد نقل حكم فقهي.. وجملة "لا أدري" تعد خلقا رفيعا

الدكتورعباس شومان
الدكتورعباس شومان

ألقى الدكتور عباس شومان، الأمين العام لهيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، محاضرة علمية موسعة بمركز التدريب بـدار الإفتاء المصرية، وذلك ضمن فعاليات دورة "تطوير مهارات الإفتاء في ضوء المستجدات المعاصرة"، التي تعقدها دار الإفتاء لطلاب اتحاد الطلبة الإندونيسيين بالقاهرة.

<strong>الأمين العام لهيئة كبار العلماء في محاضرة لاتحاد الطلبة الإندونيسيين</strong>
الأمين العام لهيئة كبار العلماء في محاضرة لاتحاد الطلبة الإندونيسيين

الأمين العام لهيئة كبار العلماء في محاضرة لاتحاد الطلبة الإندونيسيين

وفي مستهل محاضرته، رحب الدكتور عباس شومان، بالطلاب الوافدين، معربًا عن سعادته بوجودهم في رحاب الأزهر الشريف ودار الإفتاء المصرية، مؤكدًا أن جميع المؤسسات الدينية في جمهورية مصر العربية تعمل لخدمة أبناء الأمة الإسلامية دون تفرقة، وتسعى إلى نقل الخبرات العلمية والعملية في مجالات الدعوة والإفتاء، وبناء الوعي الرشيد القائم على الوسطية والاعتدال.

وأوضح أن الأزهر الشريف ودار الإفتاء المصرية، يبذلان جهودًا كبيرة في تأهيل المفتين، ومواجهة الفكر المتطرف، والتعامل مع القضايا الفكرية والمجتمعية المستجدة، مشيرًا إلى أن هذه الجهود تهدُف إلى إعداد دعاة ومفتين قادرين على فهم الواقع، ومعالجة مشكلات مجتمعاتهم معالجة شرعية صحيحة. 

وأضاف أن كثيرًا من القضايا التي تواجه المجتمعات الإسلامية اليوم لم تكن معروفة في العصور السابقة، وهو ما يفسر عدم وجود نصوص تفصيلية لها في كتب التراث، مبينًا أن علماء الأمة لم يقصروا في بيان المنهج، بل وضعوا القواعد والأصول العامة التي تمكِّن العلماء في كل عصر من معالجة المستجدات.

ولفت إلى أن باب الاجتهاد لم يُغلق، وإنما تعذر الوصول إلى درجة "المفتي المطلق" لندرة المؤهلين لذلك.

العمل في المجال الديني

وأشار الأمين العام لهيئة كبار العلماء، إلى أن العمل في المجال الديني، وبخاصة الإفتاء والدعوة، لا يقوم على القوة أو الشدة أو رفع الصوت، وإنما يعتمد على العلم، والقرآن، والسنة، والقواعد الشرعية المستنبطة، إلى جانب الإقناع والحكمة، فهذا هو السلاح الحقيقي للداعية والمفتي، إذ إن الأخلاق الحسنة، واللين، وسَعة الصدر، والصبر على الناس، كانت السمة الغالبة في سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصحابته الكرام والسلف الصالح.

واستشهد بعددٍ من النماذج النبوية التي تبرز هذا المنهج، موضحًا كيف تعامل النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع المخالفين والسائلين، حتى في المواقف التي تستفز الغضب، ومؤكدًا أن الإسلام لا يبيح الاعتداء على المخالف أو الإساءة إليه، مهما بلغت حدَّة الخلاف، مستدلًّا بقواعد شرعية راسخة في القرآن والسنَّة تحكم التعامل مع الآخر.

كما عرض نماذج تطبيقية من السيرة النبوية في باب الإفتاء، من بينها قصة المرأة التي وقعت في ذنبين عظيمين هما الزنا وقتل النفس، وكيف أن سوء الفتوى قد يؤدي إلى قنوط الناس من رحمة الله، لذا صحَّح النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- هذا الفهم الخاطئ، وبيَّن سَعة رحمة الله، بدليل الآيات القرآنية التي تؤكد أن التوبة الصادقة تمحو الذنوب، بل تبدِّل السيئات حسنات. 

واستدلَّ كذلك بقصة الرجل الذي أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- معترفًا بوقوعه في محظور في نهار رمضان، موضحًا كيف تعامل النبي مع حالته النفسية والواقعية، فجمع بين بيان خطورة الذنب، والتخفيف عن السائل، وإيجاد المخرج الشرعي المناسب لحاله، مؤكدًا أن هذا المنهج النبوي يعد قاعدة أصيلة في صناعة الفتوى.

الفتوى ليست مجرد نقل حكم فقهي

وشدد شومان على أن الفتوى ليست مجرد نقل حكم فقهي، بل هي عملية معقدة تحتاج إلى فهم دقيق لحال السائل، واستيعاب واقعه، والتمييز بين الألفاظ والمقاصد، محذرًا من التسرع في الإجابة دون استكمال صورة المسألة، أو الاكتفاء بظاهر كلام المستفتي. 

ونوه أنه ينبغي على المفتي أن يطرح أسئلة متعددة – غير مباشرة أحيانًا – للوصول إلى حقيقة المسألة، مستعرضًا أمثلة واقعية في مسائل الطلاق والميراث، تبيِّن كيف يؤدي سوء الفهم أو عدم الاستيضاح إلى فتوى خاطئة رغم سلامة استنباطه من النصوص التي اعتمد عليها في الفتوى.

وقد تناول مسألة الجرأة على الفتوى، مبيِّنًا أن قول المفتي "لا أدري" يُعد خلقًا علميًّا رفيعًا، وأنه أدْعى إلى تنمية العلم لدى القائم بالإفتاء من التسرع في الإجابة، موضحًا الفرق بين الخطأ الناتج عن اجتهاد منضبط، وهو مرفوع الإثم، وبين الغلط الناتج عن الجهل أو التهاون، وهو غير معذور شرعًا. 

وذكر أن المجتهد المؤهل إذا بذل وسعه وسار على القواعد الشرعية، فإنه مأجور في كل الأحوال، سواء أصاب حكم الله أو أخطأه، مؤكدًا أن اختلاف العلماء في المسائل الفقهية إنما هو اختلاف تنوع مبني على اجتهاد معتبر.

وفي ختام المحاضرة، أوصى المتدربين بضرورة التأهل العلمي الرصين قبل التصدي للإفتاء، واستشعار عظم المسؤولية، ومراقبة الله تعالى في كل كلمة تصدر عن المفتي، حيث إن الفتوى الخاطئة يتحمل وزرها مَن تصدى لها بغير علم. 

وأعرب عن تمنياته للطلاب الوافدين بإقامة علمية مثمرة في رحاب الأزهر الشريف ودار الإفتاء المصرية، وأن يعودوا إلى بلدانهم حاملين للعلم الصحيح والمنهج الوسطي المعتدل، بما يسهم في خدمة مجتمعاتهم وتعزيز الاستقرار الفكري والديني في أوطانهم.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء