رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

يكتسب الخطاب الذي وجهه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي أهمية سياسية خاصة، ليس فقط من حيث مضمونه المباشر، وإنما من زاوية ما يعكسه من تحولات أعمق في نظرة القوى الدولية إلى الدور المصري ومكانته في معادلات الإقليم، الرسالة، في جوهرها، تمثل إقرارًا دوليًا صريحًا بأن مصر باتت رقمًا صعبًا لا يمكن تجاوزه، وأن مواقفها، وعلى رأسها موقفها من ملف مياه النيل، تستند إلى منطق الدولة وشرعية الحق، لا إلى مناورات ظرفية أو حسابات ضيقة.

إن قراءة هذا الخطاب في سياقه الاستراتيجي تكشف أنه جاء تتويجًا لمسار طويل من العمل السياسي والدبلوماسي الذي انتهجته الدولة المصرية خلال السنوات الماضية، وقد نجحت القاهرة في ترسيخ صورة الدولة الرشيدة التي تدير أزماتها بعقلانية، وتطرح حلولًا متوازنة، لكنها في الوقت ذاته تضع خطوطا حمراء واضحة عندما يتعلق الأمر بثوابتها الوجودية، وملف نهر النيل يظل المثال الأبرز على هذا النهج، باعتباره قضية حياة أو موت لشعب ودولة.

لقد تعاملت مصر مع أزمة سد النهضة منذ بدايتها باعتبارها قضية تنموية ذات أبعاد سياسية وقانونية وأمنية متشابكة ولم تنجر، رغم تعقيد الموقف، إلى خيارات متسرعة أو خطاب تصعيدي غير محسوب، بل حرصت على إعلاء صوت العقل، والتأكيد المستمر على أن التنمية حق مشروع لجميع شعوب حوض النيل، شريطة ألا تتحقق على حساب حقوق الآخرين أو تهدد استقرارهم و هذا الموقف المتزن هو ما أكسب الرؤية المصرية احتراما متزايدا في الدوائر الدولية، وهو ما انعكس بوضوح في الخطاب الأمريكي.

إن إشارة ترامب إلى تقدير الدور المصري لا يمكن فصلها عن إدراك متنام داخل مراكز صنع القرار العالمية بأن مصر تمثل ركيزة أساسية للاستقرار الإقليمي، فالدولة المصرية لم تعد تتحرك فقط برد الفعل، بل باتت فاعلا مبادرا يمتلك رؤية واضحة لإدارة الأزمات، سواء في محيطها العربي أو الإفريقي وفي هذا الإطار، فإن الموقف المصري من ملف النيل يقوم على معادلة دقيقة: حماية الأمن المائي باعتباره جزءا لا يتجزأ من الأمن القومي، وفي الوقت نفسه الحفاظ على مناخ التعاون الإقليمي ومنع انزلاق المنطقة إلى صراعات مفتوحة.

ويحمل الخطاب الأمريكي دلالة أخرى لا تقل أهمية، تتمثل في الاعتراف بعدالة الطرح المصري القائم على ضرورة التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم ينظم عملية ملء وتشغيل السد، بما يضمن عدم الإضرار بدول المصب. هذا الطرح لا يستند فقط إلى الاتفاقيات التاريخية، و إنما إلى قواعد القانون الدولي للأنهار العابرة للحدود، التي تجرم الإضرار الجسيم وتدعو إلى الاستخدام المنصف والمعقول للموارد المشتركة، ومن هنا، فإن الموقف المصري لم يكن يوما موقف تعنت، بل موقف دفاع مشروع عن حق أصيل.


كما أن  مضمون الخطاب يعكس تحولا في طريقة تعاطي القوى الكبرى مع الأزمة، حيث بات واضحا أن سياسة تجاهل المخاوف المصرية أو التقليل من خطورتها لم تعد مقبولة أو قابلة للاستمرار وان مصر، بحجمها ودورها وتأثيرها، قادرة على فرض رؤيتها عبر أدوات متعددة، في مقدمتها الثقل السياسي والدبلوماسي، والقدرة على بناء تحالفات، وتوظيف خطاب عقلاني يخاطب مصالح المجتمع الدولي في الاستقرار والأمن.

ولا يمكن إغفال أن هذا الاعتراف الدولي يتزامن مع مرحلة تشهد فيها الدولة المصرية تعزيزا لمقومات قوتها الشاملة، سواء على الصعيد العسكري أو الاقتصادي أو المؤسسي وهو ما يمنح الموقف المصري مصداقية إضافية، ويجعله قائما على أساس صلب من تماسك الدولة وقدرتها على حماية مصالحها ، والدول لا تحترم بخطابها فقط، و إنما بقدرتها على تحويل هذا الخطاب إلى سياسات مدعومة بقوة حقيقية.

إن ما تفرضه مصر اليوم ليس مجرد وجهة نظر، بل رؤية دولة تدرك حجم مسؤوليتها التاريخية والحفاظ على حقها في مياه النيل يعني الحفاظ على استقرار شعبها، وعلى توازن إقليم كامل ومن هذا المنطلق، فإن خطاب ترامب يمكن اعتباره شهادة دولية على نجاح الاستراتيجية المصرية في إدارة هذا الملف الشائك، وعلى أن الرهان على الصبر الاستراتيجي والتحرك العقلاني كان رهانا في محله.

وفي المحصلة، تؤكد هذه الرسالة أن مصر حين تتمسك بموقفها، فإنها تفعل ذلك من موقع القوة والثقة، لا من موقع القلق أو الارتباك، هي من تفرض كلمتها بثقل الدولة، وتدافع عن حقوقها بمنطق القانون، وتفتح أبواب الحلول دون أن تفرط في الثوابت وذلك هو جوهر السياسة الرشيدة التي تعيد لمصر مكانتها المستحقة، وتثبت أن صوتها حين يسمع، إنما يسمع لأنه يعبر عن حق، وعن دولة تعرف جيدا ماذا تريد وأين تقف.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء