الخطاب هنا موجه إلى السادة: أعضاء المجلس القومي لحقوق الإنسان، والمجلس القومي للأمومة والطفولة، ولمنظمات المجتمع المدني العاملة في مجالي المرأة والطفل، وقبلهم جميعًا القضاء المصري الشامخ العادل.
نحن أمام سيدة فقدت ابنتها قتلًا في واقعة صدمت الرأي العام المصري بأكمله، جريمة قاسية بتفاصيل بشعة ومؤلمة، حظيت قضيتها بتغطية إعلامية واسعة، وتحقيقات ومحاكمات، وجدال مجتمعي طويل، ومسلسل تلفزيوني يحكي قصتها.
هذه السيدة "ماجدة الحشاش" ليست شخصية عامة محترفة ولا ناشطة سياسية، بل أم أمية التعليم ومنعدمة الثقافة، وجدت نفسها فجأة في قلب عاصفة إعلامية ونفسية غير محتملة.
الأحاديث الصادرة عنها في لقاءات أو مقاطع مصورة لا يمكن فصلها عن حالتها النفسية والغضب، والشعور بالقهر، فالإنسان في مثل هذه الحالات لا يتحدث بعقل صافٍ، بل حديثه يصدر من منطقة الألم والوجع، والاشتباه في الجميع، والخوف من ضياع الحق.
والسؤال هنا للجميع: هل يُحاسَب الضحية ـ أو من بقي منها ـ بالمنطق نفسه الذي يُحاسَب به شخص في وضع طبيعي؟
الحبس الاحتياطي، أو استمرار الحبس، في مثل هذه الحالة، لا يبدو إجراءً احترازيًا بقدر ما يُعد عقوبة مسبقة تتجاهل الظروف النفسية والإنسانية للمتهمة.
من المعروف عن جرائم السب والقذف، وفقًا لقانون العقوبات المصري، ضرورة أن يتوفر القصد الجنائي العمدي، وأن يكون الهدف هو الإهانة والتشهير عن علم وإرادة كاملة.
أما في قضية والدة شيماء جمال، فالتصريحات جاءت في سياق انفعالي وإعلامي، وصادرة عن سيدة غير مؤهلة لمواجهة وسائل الإعلام، ومرتبط حديثها مباشرة بواقعة قاسية وتفاصيل أشد قسوة، وهو ما ينفي فكرة القصد الجنائي لسيدة بسيطة في تعليمها وثقافتها وقدرتها الذهنية التي يمكنها استيعاب حادث قتل لابنتها بهذه التفاصيل البشعة التي نعرفها جميعًا.
هذه السيدة ـ بعفوية مطلقة ـ عبّرت عن وجهة نظرها وتجربتها الشخصية، ولم تقصد أو تقم بتنظيم حملة للتشهير بخصومها وخصوم بنتها "القتيلة".
أما تهمة التعدي على محامٍ أثناء تأدية عمله، فتستلزم واقعة محددة وزمانًا ومكانًا، وأن يكون الاعتداء مباشرًا مرتبطًا بممارسة المهنة.
فالتصريحات الإعلامية العامة لا تنطبق عليها هذه المادة، وإلا أصبح أي نقد لمحامٍ جريمة مشددة، وهو ما يهدر مبدأ المساواة.
الأصل في الجنح ـ خاصة جنح الرأي والتعبير ـ هو الإفراج أو التدابير البديلة كالكفالة، أو المحاكمة مع ضمان الحضور، خاصة مع سيدة مسنة، واستمرار حبسها في هذه الظروف لا يحقق الردع ولا يحمي المجتمع ولا يخدم العدالة. هذه القضية ليست مجرد خصومة قانونية بين أطراف، بل اختبار حقيقي لفهمنا لمعنى العدالة.
إن دفاع مؤسسات المجتمع المدني والمتطوعين من المحاميات والمحامين لا يعني خصومة مع زميلة لهم، ولا يعني تبريرًا لأي تجاوز لفظي، لكنه يعني فهم السياق العام لهذه القضية التي استمرت لسنوات، وجاء وقت إغلاقها رحمةً بأم مكلومة وطفلة تُركت لزوجة أب بعيدًا عن جدتها، الحضن الدافئ الوحيد بعد رحيل أمها. المطلوب من الجميع إحقاق الحق والتوازن بين الحق والرحمة.