تقنية جديدة من «ديب سيك» قد تعيد رسم مستقبل الذاكرة في الذكاء الاصطناعي
في خطوة قد تحدث تحولًا كبيرًا في مسار تطور الذكاء الاصطناعي، أعلنت شركة ديب سيك بالتعاون مع جامعة بكين عن أسلوب تدريب مبتكر يحمل اسم Engram، يهدف إلى تقليل الاعتماد على ذاكرة النطاق العريض عالية السرعة (HBM)، التي تعد أحد أبرز أسباب الارتفاع الحاد في أسعار شرائح DRAM، والتي شهدت قفزة وصلت إلى خمسة أضعاف خلال فترة قصيرة لم تتجاوز عشرة أسابيع.
تجاوز عنق الزجاجة في الذاكرة
تعتمد النماذج اللغوية الضخمة حاليًا على ذاكرة HBM ليس فقط لتنفيذ العمليات الحسابية المعقدة، بل أيضًا للوصول إلى المعرفة الأساسية، ما يؤدي إلى ضغط مزدوج على الأداء والتكلفة.
ومع النمو المتسارع في الطلب على عتاد الذكاء الاصطناعي، تحوّل هذا الاعتماد المفرط إلى أحد أكبر التحديات التي تواجه القطاع، وفقًا لتقرير نشره موقع TechRadar.
Engram.. نهج مختلف
تأتي تقنية Engram بفكرة مغايرة، تقوم على فصل تخزين المعرفة عن عمليات الحوسبة، مما يسمح للنموذج بالوصول إلى المعلومات الأساسية دون استهلاك الذاكرة فائقة السرعة الخاصة بوحدات GPU.
ويرى الباحثون أن النماذج الحالية تهدر جزءًا كبيرًا من قدراتها التسلسلية في تنفيذ مهام بسيطة، كان من الممكن استغلالها في عمليات تفكير أعمق وأكثر تعقيدًا.
آلية العمل
تعتمد Engram على استرجاع المعرفة عبر N-grams مشفرة، ما يتيح وصولًا ثابتًا وسريعًا إلى المعلومات بغض النظر عن السياق الذي يعمل فيه النموذج.
بعد ذلك، تمر هذه البيانات عبر بوابة ذكية حساسة للسياق، تعمل على مواءمتها مع الحالة الداخلية للنموذج، وهو ما يحسن التعامل مع السياقات الطويلة، ويدعم عمليات الجلب المسبق على مستوى النظام دون أعباء حسابية إضافية تُذكر.
نتائج مشجعة
تم اختبار التقنية على نموذج ضخم يضم 27 مليار معامل، وأظهرت النتائج تحسنًا واضحًا في عدد من المقاييس القياسية المستخدمة في الصناعة، دون زيادة في حجم النموذج أو عدد العمليات الحسابية (FLOPs).
كما بيّنت التجارب أن إعادة تخصيص ما بين 20 إلى 25% من ميزانية المعاملات لصالح وحدة Engram يمنح أداءً يتفوق على نماذج Mixture-of-Experts (MoE) التقليدية، مع الحفاظ على استقرار النتائج عبر أحجام مختلفة من النماذج.
تخفيف الضغط وخفض التكاليف
أحد أبرز مزايا Engram هو تقليل الحاجة إلى الذاكرة عالية السرعة، من خلال الاعتماد على آليات بحث ثابتة للمعلومات غير المتغيرة، ما يجعل استخدام الذاكرة أكثر كفاءة.
وتتكامل هذه التقنية مع حلول أخرى منخفضة التكلفة، مثل مسرعات الاستدلال من شركة Phison، التي تتيح توسيع الذاكرة باستخدام أقراص SSD بدل الاعتماد الكامل على HBM.
كما أنها متوافقة مع معايير CXL (Compute Express Link) الحديثة، المصممة أساسًا لمعالجة اختناقات ذاكرة GPU في أحمال العمل الضخمة.
أبعاد استراتيجية وجيوسياسية
قد يكون لهذا الابتكار تأثير خاص في الصين، حيث لا يزال الوصول إلى أحدث تقنيات HBM أقل مقارنة بشركات عالمية كبرى مثل سامسونغ وSK Hynix وميكرون.
وبالتالي، فإن تقليل الاعتماد على هذا النوع من الذاكرة قد يمنح شركات الذكاء الاصطناعي الصينية فرصة أكبر لتعزيز قدرتها التنافسية عالميًا.
هل نقترب من حل أزمة الذاكرة؟
تشير النتائج الأولية إلى أن Engram قد تمهّد الطريق لتوسيع قدرات النماذج وزيادة عمق التفكير دون تضخم كبير في متطلبات الذاكرة، ما قد يخفف الضغط على سلاسل التوريد ويساهم في استقرار أسعار DRAM وDDR5 مستقبلًا.
ورغم أن التقنية لا تزال في مراحلها الأولى، إلا أنها تمثل خطوة واعدة نحو فك الارتباط بين تطور الذكاء الاصطناعي وارتفاع تكاليف العتاد، وقد تكون بالفعل بداية النهاية لما يُعرف اليوم بـ “أزمة الذاكرة العالمية”.

