رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

استشاري نفسي: إدمان الألعاب الإلكترونية ترفع معدلات العدوان واضطراب السلوك

الدكتورة سارة عبد
الدكتورة سارة عبد الناصر

قالت الدكتورة سارة عبد الناصر، مدرس واستشاري الطب النفسي بالقصر العيني، أن الألعاب الإلكترونية لم تعد مجرد وسيلة تسلية عابرة للأطفال، بل تحولت في كثير من الحالات إلى نمط إدماني خطير، ينعكس بشكل مباشر على الصحة النفسية والسلوكية للطفل، فالدراسات العلمية أثبتت وجود علاقة وثيقة بين الإفراط في ممارسة ألعاب الفيديو وارتفاع معدلات العدوانية واضطرابات السلوك وضعف النمو العقلي والانفعالي، مشيرة إلى أن خطورة الظاهرة دفعت منظمة الصحة العالمية إلى تصنيف إدمان الألعاب الإلكترونية كمرض نفسي معترف به رسميًا منذ عام 2018، مؤكدة أن المشكلة لا تتوقف عند الجوانب النفسية فقط، بل تمتد إلى أضرار جسدية ناتجة عن الجلوس لساعات طويلة أمام الشاشات، ما يؤثر على صحة العظام والعضلات والأعصاب، إلى جانب اضطرابات النوم وضعف التركيز.

أرقام صادمة وحجم صناعة يتجاوز المليارات

وأضافت عبد الناصر، خلال لقاء على شاشة النيل للأخبار، أن الألعاب الإلكترونية تشهد انتشارًا غير مسبوق، حيث أصبحت جزءًا أساسيًا من صناعة الترفيه العالمية، التي تتجاوز قيمتها مئات المليارات من الدولارات، ويُقدّر عدد ممارسيها بنحو 3.4 مليار شخص حول العالم، من بينهم ملايين الأطفال، وهذا الانتشار الواسع يجعل من الصعب تجاهل تأثير هذه الألعاب، خاصة في ظل سهولة الوصول إليها عبر الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية، دون أي رقابة أسرية حقيقية في كثير من الأحيان، ما يضاعف من حجم الخطر على الأطفال والمراهقين.

أوضحت الدكتورة سارة عبد الناصر، أن الضرر لا يرتبط بوجود الألعاب الإلكترونية في حد ذاتها، وإنما بطريقة الاستخدام ونمط حياة الطفل بالكامل، فالأطفال في مراحل النمو المبكرة يحتاجون لاكتساب مهارات معرفية واجتماعية أساسية، مثل التركيز والانتباه المستمر، والذاكرة، والقدرة على التواصل، ووضع الحدود الشخصية، والتعامل مع المواقف الحياتية المختلفة، مؤكدة أن الإفراط في التعرض للشاشات يعزل الطفل عن التجارب الحياتية الحقيقية، وهو ما يحرم الدماغ من المؤثرات البيئية الضرورية لنمو الخلايا العصبية بشكل صحي، وهذا الحرمان البيئي قد يؤدي إلى أعراض تشبه اضطرابات طيف التوحد، رغم أن الطفل يكون سليمًا من الناحية الجينية، وهو ما يؤدي أحيانًا إلى تشخيصات خاطئة.

الشاشات والحرمان البيئي

ولفتت إلى أن الكثير من الأطفال الذين يُتركون لساعات طويلة أمام الشاشات يعانون من تأخر في الكلام، وضعف التفاعل الاجتماعي، وتأخر المهارات الحركية والمعرفية، وهي أعراض تتشابه بشكل كبير مع أعراض التوحد، لكنها شددت على أن الفرق الجوهري أن الحرمان البيئي يمكن علاجه إذا تم التدخل المبكر، فالعلاج يعتمد على منع الشاشات، وإعادة دمج الطفل في الحياة الواقعية من خلال الحضانة، والرياضة، والتفاعل الاجتماعي، والتعرض للشمس والهواء، وهي أنشطة تحدث ثورة إيجابية في خلايا المخ وتساعده على استعادة نموه الطبيعي.

وحذرت استشاري الطب النفسي، من خطورة الهواتف الذكية مقارنة بالتلفزيون، خاصة للأطفال دون سن ثلاث سنوات، موضحة أن منظمة الصحة العالمية توصي بعدم استخدام الشاشات تمامًا حتى سن 12 عامًا، لكنها ترى أن التلفزيون يمكن استخدامه بشكل محدود وتحت إشراف، وأرجعت ذلك إلى أن خاصية السكرولينج في الهواتف التي تدمر مهارة الانتباه المتواصل، حيث يتعرض الطفل لمقاطع قصيرة متتالية تحفز إفراز الدوبامين بشكل سريع، مما يؤدي إلى ضعف التركيز وعدم القدرة على متابعة محتوى طويل أو تعلم مهارات تحتاج إلى صبر واسترجاع للمعلومات، وهو ما ينعكس سلبًا على التحصيل الدراسي والقدرات الذهنية.

المحتوى العنيف والإباحي

وأشارت إلى أن نوعية المحتوى تمثل عامل خطر أساسي، مشيرة إلى أن الألعاب التي تحتوي على عنف وقتل تبرمج عقل الطفل على أن هذه السلوكيات طبيعية ومقبولة، ما قد يفسر بعض الجرائم التي ارتكبها أطفال باستخدام أسلحة حادة، مؤكدة أن الألعاب العنيفة تمثل العنصر الأول والأوحد في رفع احتمالات هذا السلوك، كما حذرت من المحتوى غير اللائق والإيحاءات الجنسية التي قد تظهر فجأة عبر الإعلانات أو الروابط داخل الألعاب، مؤكدة أن تعرض الطفل لمثل هذه المواد في سن مبكرة يؤثر على نموه النفسي ويشوّه مفهومه عن العلاقات الإنسانية، خاصة في ظل غياب التوعية الأسرية.

واختتمت الدكتورة سارة عبد الناصر، مدرس واستشاري الطب النفسي بالقصر العيني، حديثها بالتأكيد على أن الحل لا يكمن في حرمان الأطفال تمامًا من التكنولوجيا، وإنما في تحقيق التوازن، من خلال تحديد أوقات الاستخدام، ومراقبة المحتوى، وتشجيع الأنشطة البديلة مثل الرياضة والقراءة والتفاعل الاجتماعي الحقيقي، إلى جانب تعزيز دور المدرسة والإعلام في نشر الوعي الرقمي، مؤكدة أن حماية الأطفال من مخاطر الألعاب الإلكترونية مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمجتمع، مشددة على أن ترك الطفل لساعات طويلة أمام الشاشات قد يبدو مريحًا مؤقتًا، لكنه في الحقيقة استثمار خطير في مستقبل نفسي وسلوكي مضطرب.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء