يشكّل الإعلان عن الانتقال إلى المرحلة الثانية، بالتزامن مع إعلان اللجنة الوطنية لإدارة غزة، لحظة سياسية فارقة في تاريخ القطاع، ليس فقط بسبب طبيعة الخطوة ذاتها، بل لأن السياق الذي جاءت فيه يجعل منها خياراً وحيداً لا بديلاً عنه. فغزة، التي عاشت سنوات طويلة من الحصار والحروب والانقسام وسوء الإدارة، وصلت إلى مرحلة الاختناق الكامل، حيث لم يعد بالإمكان إدارة الأزمة بالأساليب التقليدية أو ترحيل الفشل إلى مراحل لاحقة.
إن المرحلة الثانية لا تمثل تطوراً إجرائياً فحسب، بل هي محاولة متأخرة لإعادة ضبط المشهد الداخلي، ومنع الانهيار الشامل الذي بات يلوح في الأفق، ومع ذلك، فإن خطورة هذه المرحلة تكمن في أن فشلها لن يكون فشلاً عادياً يمكن احتواؤه، بل سيكون بمثابة الضربة الأخيرة لما تبقى من بنية اجتماعية وإدارية في القطاع.
لقد ضاقت غزة بما رحبت، ليس كمجاز لغوي، بل كحقيقة يومية يعيشها أكثر من مليوني إنسان، بنية تحتية منهكة، اقتصاد شبه مشلول، مؤسسات عاجزة، ونسيج اجتماعي مثقل بالفقر والبطالة وفقدان الأمل. في ظل هذا الواقع، يصبح أي حديث عن التفاوض على المرحلة الثانية أو إعادة النظر في تشكيل اللجنة الوطنية نوعاً من العبث السياسي، بل ترفاً لا تملكه غزة ولا أهلها.
اللجنة الوطنية لإدارة غزة، بوصفها الإطار التنفيذي لهذه المرحلة، تواجه تحديات غير مسبوقة، فهي مطالبة بالعمل في بيئة تتسم بانعدام الثقة الشعبية، وتراكم الإخفاقات السابقة، وتداخل المصالح الفصائلية، إضافة إلى الضغوط الإقليمية والدولية، ومع ذلك، فإن نجاحها لم يعد خياراً سياسياً، بل ضرورة وطنية قسرية، فإما أن تنجح، ولو بحدها الأدنى، أو ينزلق القطاع إلى فراغ إداري وأمني قد يكون من الصعب احتواؤه لاحقاً.
إن أخطر ما يمكن أن يواجه المرحلة الثانية هو تحويلها إلى ساحة صراع جديدة بين القوى السياسية، أو التعامل معها كغنيمة نفوذ بدلاً من كونها أداة إنقاذ.
فغزة لا تحتاج اليوم إلى استعراض القوة أو تسجيل النقاط، بل إلى قرارات حاسمة تعيد الحد الأدنى من النظام والخدمات والكرامة الإنسانية، ومن هنا، فإن فرض نجاح هذه المرحلة “بالإكراه السياسي” – إن جاز التعبير – يصبح مبرراً أمام حجم الكارثة القائمة.
الإكراه هنا لا يعني القمع أو الإقصاء، بل فرض منطق المصلحة العامة على حساب الحسابات الفئوية، ويعني أيضاً تحييد الخلافات الأيديولوجية، وتجميد الصراعات الداخلية، ومنح اللجنة الوطنية مساحة حقيقية للعمل دون تعطيل أو تشكيك متعمد، فالتاريخ أثبت أن الانقسامات الفلسطينية لم تنتج سوى مزيد من الضعف، وأن غزة كانت دائماً الخاسر الأكبر.
كما أن المرحلة الثانية تضع الجميع أمام مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون سياسية، فاستمرار الفشل لم يعد مجرد إخفاق إداري، بل بات شكلاً من أشكال التواطؤ مع معاناة الناس، إن أي طرف يسعى إلى إفشال هذه المرحلة، أو يراهن على انهيارها لتحقيق مكاسب لاحقة، إنما يراهن على مزيد من الألم والجوع والفوضى.
في المقابل، لا يمكن إعفاء اللجنة الوطنية نفسها من المسؤولية، فنجاحها يتطلب شفافية واضحة، وخطاباً صريحاً مع الجمهور، وخطة عمل قابلة للتنفيذ، بعيداً عن الوعود الفضفاضة، كما يتطلب منها الانفتاح على الكفاءات المستقلة، وعدم الوقوع في فخ المحاصصة أو إعادة إنتاج النخب الفاشلة.
إن المرحلة الثانية ليست نهاية الطريق، ولا يمكن تحميلها أكثر مما تحتمل، لكنها تشكل فرصة أخيرة لترميم ما يمكن ترميمه، وإذا لم يتم استثمار هذه الفرصة بجدية ومسؤولية، فإن البديل لن يكون مرحلة ثالثة أكثر نضجاً، بل حالة انهيار مفتوحة على المجهول.
يمكن القول إن غزة تقف اليوم أمام معادلة قاسية: إما نجاح إجباري للمرحلة الثانية، أو فشل كارثي لا يحتمل التكرار، فلا مجال للتفاوض على أصل الفكرة، ولا متسع للتفكير في بدائل نظرية، لأن الواقع تجاوز مرحلة النقاش، لقد وصل القطاع إلى لحظة الحسم، حيث يصبح الفعل، مهما كان ناقصاً، أفضل من انتظار انهيار كامل لن ينجو منه أحد.