رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

في لحظة تاريخية مهمة مثل انطلاق دور البرلمان الجديد، يُفترض أن يسود الحوار العام مناقشة برامج العمل، أولويات التشريع، ومواقف النائبات والنُوّاب تجاه القضايا الوطنية الجوهرية، إلا أن كثيرًا من صفحات السوشيال ميديا، وبعض الحسابات التي تصف نفسها إعلامية، غيّبت هذا الجوهر في طرحها، وبدلًا من ذلك سقط النقاش في فخ التركيز الشديد على مظهر النائبات، نبرة صوتهن، وجمالهن الخارجي.

هذا الانزلاق ليس مجرد خطأ هجائي في الذوق العام، بل تكريس لثقافة إعلامية ومجتمعية تُقلّل من مكانة المرأة كفاعلة سياسية حقيقية، وتُعيد إنتاج قوالب نمطية تعود لعقود من الهيمنة الذكورية في السرد العام.

وهنا أنا لا أتحدث عن المال السياسي، ولا عن خبرة النائبات الجدد في الساحة السياسية، لكن أتحدث عن النظرة السطحية واستباق الحكم عليهن، وعن أيضًا تصدّرهن للتريند لا بسيرتهن الذاتية ولا بمساهماتهن المجتمعية، بل فقط بمظهرهن... فلماذا تُضخّم وسائل الإعلام الحديثة السطحية على حساب العمق؟!! وكيف ننساق خلفها؟!

التحليل الأكاديمي لأبحاث التغطية الإعلامية للنساء في السياسة يؤكد أن النساء يتعرضن لنوع خاص من التحيّز في الإعلام نفسه؛ ففي دراسة “Gender Stereotypes in the Portrayal of Female Politicians in American Online Newspapers” التي نُشرت في International Journal of Research and Scientific Innovation في 15 يونيو 2024، وجد الباحثون أن السياسيات غالبًا ما تُبرز التغطيات الإعلامية تفاصيل تتعلق بحياتهن الشخصية والمظهر أكثر من خبراتهن المهنية أو مواقفهن السياسية — حتى في سياق تغطيات واسعة في صحف كبرى مثل واشنطن بوست وذا جارديان.

هذه الدراسة لم تكتفِ بتأكيد وجود القوالب النمطية، بل أوضحت أن التغطية تميل إلى إعادة إنتاج لغة إعلامية تُقوّض مصداقية المرأة السياسية، عبر توجيه تركيز غير مبرر إلى نوعيات الأخبار غير المرتبطة بالأداء السياسي الفعلي.

في فضاء السوشيال ميديا خلال الأسبوع الأول من الجلسات البرلمانية، انتشرت منشورات متنوّعة تُسلّط الضوء على "رشاقة صوت" النائبات أو "جمالهن اللافت"، بدلًا من تركيزها على:

المواقف السياسية التي تطرحها النائبات في مناقشات القوانين.

الخبرات المهنية والأكاديمية التي تحملها النساء قبل دخول البرلمان.

أولوياتهن في التشريع ومساهماتهن في اللجان النوعية.

تكرار هذه الأنماط في التعليقات والمنشورات لا يعكس فقط ميل مستخدمي المنصات إلى المحتوى السهل والمثير، بل يعكس أيضًا ثقافة مجتمعية مؤلمة تختزل المرأة في شكلها الخارجي، وترى فيه معيارًا لتقييمها بدل إنجازاتها.

الميزة في الدراسات الأكاديمية التي تجمع بيانات واسعة هي أنها تُظهر أن الظاهرة ليست محلية أو عارضة، بل جزء من نمط عالمي في تغطية النساء في الحقل السياسي. ففي التحليل المُجمّع المنشور في Journal of Communication في 2024 بعنوان “Gender Differences in Political Media Coverage: A Meta-Analysis”، درس الباحثون أكثر من 750,000 تقرير إعلامي حول 3,500 امرأة سياسية، ووجدوا أن التغطية الإعلامية للسياسيات تختلف نوعيًا عن تغطية نظرائهن الرجال، إذ يتركز خطاب الإعلام غالبًا على المظهر، الحياة الخاصة، والتعريف بالجندر أكثر من قضايا السياسة نفسها.

التغطية بهذه الطريقة لا ترى المرأة كـ “قائدة”، بل كـ "موضوع إعلامي" يجب أن يُصوَّر بطريقة جذابة بصريًا، مما يُعيد إنتاج فكرة مسبقة لا أساس لها عن أن الجمال عائق أمام الكفاءة.

وإن لهذه الظاهرة أثرًا على المجتمع والنقاش العام، ومنها:

إضعاف دور المرأة في السياسة: عندما يصبح خطاب الإعلام الاجتماعي موجّهًا نحو تفاصيل سطحية بدل مضمون الأداء، يتحول الجمهور — عن غير قصد — إلى متلقٍ لا يطلب من السياسيات إلا أن يظهرن جميلات أو لطيفات في الصوت، بدل أن يطلب منهن حالات حقيقية من الكفاءة والقدرة على صنع القرار.

تكرار القوالب النمطية بنبرة مضاعفة: هذه الظاهرة تُكرّس فكرة قديمة مفادها أن المرأة لا يمكن أن تكون سياسية ناجحة إلا إذا انتفت عنها علامات الجدية المهنية — وهو تصور لا يستند إلى أي تحليل علمي أو موضوعي، بل إلى ثقافة إعلامية مستهلكة.

الفجوة بين الإعلام والمسؤولية: التركيز على جمال أو نبرة صوت النائبة يجعل الجمهور يفقد اهتمامه بالجدل الحقيقي داخل المجلس، وبدلًا من أن يكون الإعلام ساحة لتعميق النقاش، يتحول إلى ساحة للمشاهد الضيقة التي تستهلك الانتباه بدل أن توسّعه.

فلا يصح في زماننا هذا أن نحصر المرأة في هذا القالب، وقد كسرت النساء التابوه المرتبط بالتركيز في مهمة واحدة، بل أصبحن متعددات المهام؛ فلا هناك عائق بين الجمال والشطارة، ولا بين العمل والأمومة، ولا بين الرقة وممارستها العمل السياسي أو الاجتماعي.

ففي وقتنا هذا، تحتاج المجتمعات - وخاصة منطقتنا - إلى تمثيل سياسي قوي للمرأة، ليس كـ “جمال مرئي”، بل كقوة فكرية ومستعدة لصنع القرار السياسي الحقيقي. يصبح من الضروري أن نعيد بناء خطابنا العام، ليركز على:

التحليل المجدي لأداء السياسيات.

تغطية إعلامية تراعي المهنية والإنجازات.

نقاش عام يُعالج القضايا السياسية لا صور وجوه الناخبات والنوّاب.

هذه ليست مجرد مشكلة أسلوبية في التواصل الاجتماعي، بل أزمة ثقافية وإعلامية تعكس مأساة حقيقية في كيفية رؤية المرأة في المجال العام. يجب أن نتجاوزها - ليس بالكلام فقط - بل بمطالبة تغطية إعلامية مسؤولة ونقاش عام يحترم ذكاء الجمهور وقدرات المرأة في الساحة السياسية.

 

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء