رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تشهد منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر لحظة فارقة في مسارها الجيوسياسي، تتقاطع فيها الأزمات الممتدة في السودان مع التحركات الإثيوبية في الصومال وصومالي لاند، في ظل تصاعد المخاطر المرتبطة بأمن الممرات البحرية الدولية.

وفي هذا السياق المضطرب، يبرز التعاون المصري– السعودي– الإرتري بوصفه أحد أبرز ملامح إعادة ترتيب التوازنات الإقليمية، كمحاولة تبدو جادة لفرض منطق الاستقرار القائم على الشراكة والمسؤولية المشتركة، بعيداً عن سياسات فرض الأمر الواقع.

هذا التعاون، كما يقدمه أطرافه، لا يقوم على ردود أفعال آنية، بل على إدراك استراتيجي عميق لطبيعة التهديدات، وعلى قناعة بأن أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي لا يمكن تركه رهينة للتدخلات الخارجية أو الترتيبات الأحادية التي تتجاهل مصالح الدول المطلة عليه.

السودان: من ساحة صراع إلى مركز توازن

لم يعد السودان مجرد مسرح لحرب داخلية، بل بات عقدة مركزية في معادلة الأمن الإقليمي. فالتطورات الميدانية الأخيرة تشير إلى انتقال الجيش السوداني من مرحلة الدفاع إلى الهجوم المنظم، مستفيداً من إعادة ترتيب صفوفه، ومن حالة التآكل التي أصابت قوات «الدعم السريع»، سواء على مستوى السيطرة القيادية أو خطوط الإمداد.

ولا يقتصر هذا التحول على دلالته العسكرية فحسب، بل يعكس تحولاً أوسع في ميزان الإرادة السياسية الإقليمية. إذ بات واضحاً أن سيناريو انهيار الدولة السودانية أو تفكيكها أو تقسيمها لم يعد خياراً مقبولاً لدى الفاعلين الإقليميين الرئيسيين، وفي مقدمتهم مصر والسعودية وإرتريا، الذين ينظرون إلى وحدة السودان واستمرار مؤسساته بوصفهما شرطاً أساسياً لأمن الإقليم برمته.

وفي هذا الإطار، تتقاطع الرؤية الإرتريّة، التي عبّر عنها الرئيس أسياس أفورقي يوم الاثنين 12 يناير الجاري، مع الموقفين المصري والسعودي، حين شدد على أن "الأزمة السودانية لا يمكن اختزالها في صراع داخلي، ولا توصيفها كحرب أهلية تقليدية، بل يجب فهمها ضمن سياق تاريخي طويل ممتد منذ العام 1956، غذّته اختلالات داخلية لعب فيها حزب المؤتمر الوطني دوراً سلبياً، إلى جانب تدخلات خارجية استهدفت زعزعة استقرار السودان والمنطقة".

الانكفاء نحو الأطراف

تمثل محاولة «الدعم السريع» فتح جبهة جديدة في إقليم النيل الأزرق اعترافاً ضمنياً بتراجع قدرتها على السيطرة على مركز البلاد. فالتحرك نحو الأطراف الجنوبية الشرقية هذه المرة، يعكس سعياً لتأمين خطوط إمداد بديلة، بعد تضييق الخناق عليها في الحدود الغربية، لا سيما مع تنامي التفاهمات الإقليمية التي حدّت من قدرتها على الحركة عبر الحدود، خصوصاً مع تشاد.

ويعكس الدعم السياسي الواضح الذي قدمته القاهرة للجيش السوداني، إلى جانب تأكيد الرياض على ضرورة الحفاظ على مؤسسات الدولة، توافقاً إقليمياً متزايداً على أن استمرار «الدعم السريع»  يشكل خطراً يتجاوز حدود السودان، ويمتد إلى استقرار دول الجوار وأمن البحر الأحمر.

إثيوبيا وأرض الصومال: اختبار الإرادة الإقليمية

بالتوازي مع الملف السوداني، تشكل التحركات الإثيوبية في صومالي لاند أحد أبرز مصادر القلق لدى التحالف المصري– السعودي– الإرتري. فهذه الخطوات لا تهدد وحدة الصومال فحسب، بل تفتح الباب أمام إعادة رسم الخرائط بالقوة، وهي سابقة تنظر إليها القاهرة والرياض وأسمرا باعتبارها خطراً قد يمتد أثره إلى مجمل الإقليم.

وتتقاطع المصالح هنا بوضوح؛ فالسعودية تنظر إلى أمن البحر الأحمر باعتباره امتداداً مباشراً لأمنها القومي، بينما ترى مصر في هذه التحركات تهديداً للملاحة البحرية و لأمن قناة السويس، في حين تدرك إرتريا أن أي اختلال في التوازن على الضفة المقابلة من البحر الأحمر  وخليج عدن سينعكس مباشرة على أمنها الوطني.

السودان… مختبر الحرب الحديثة

من أبرز ملامح الحرب السودانية التحول المتزايد نحو استخدام الطائرات المسيّرة، التي لعبت دوراً حاسماً في تعديل موازين القوى لصالح الجيش السوداني. غير أن هذا التطور لا يُقرأ في سياق المعركة الداخلية وحدها، بل يثير قلقاً إقليمياً متنامياً من تحوّل السودان إلى ساحة مفتوحة لاختبار تقنيات عسكرية قد تتسرب إلى نزاعات أخرى في القرن الأفريقي والمنطقة.

ومن هنا، يبرز حرص التعاون المصري– السعودي– الإرتري على ضبط إيقاع هذا التحول، ومنع الانتشار غير المنضبط للتقنيات القتالية، والعمل على الحيلولة دون عسكرة أوسع للإقليم، بما في ذلك استيراد أدوات الحسم السريع خارج أي إطار ضابط.

البحر الأحمر: من التنسيق إلى الشراكة

اللافت أن هذا التعاون لا يُطرح بوصفه ترتيباً عسكرياً تقليدياً، بل كمقاربة أمنية– سياسية شاملة. فقد أشار الرئيس الإرتري، في ذات المقابلة، إلى أن التعاون مع السعودية يقوم على تشاور طويل الأمد، شمل تقديم مقترحات عملية لتعزيز التنسيق بين الدول المطلة على البحر الأحمر، على أساس احترام السيادة الوطنية، والتعاون الجماعي عند الضرورة، مع رفض عسكرة الممر البحري من قبل قوى خارج الإقليم.

وفي هذا السياق، تلعب إرتريا دور الارتكاز الجغرافي، فيما توفر السعودية الثقل الدبلوماسي والاقتصادي، وتمنح مصر بقدراتها الاستراتيجية عنصر الضمان. وهو تحالف يسعى إلى إعادة تعريف أمن البحر الأحمر باعتباره شأناً إقليمياً خالصاً، لا ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الدولية.

خط أحمر إقليمي

تتوافق تلك الأطراف على أن وحدة السودان تمثل خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه. فالقبول بتفكيك السودان أو تحويله إلى كيانات متناحرة يعني بالنسبة لدول التحالف فتح بوابة فوضى تمتد من الساحل الأفريقي إلى قلب الشرق الأوسط. ومن هذا المنطلق، تحمل اللقاءات المصرية– السعودية، والتنسيق المستمر مع أسمرا، رسالة واضحة مفادها أن إعادة رسم النفوذ في القرن الأفريقي لن تتم عبر التحركات الأحادية، بل من خلال تفاهمات إقليمية تحترم سيادة الدول وتوازن المصالح.

بهذه القراءة، يصبح ما يجري اليوم في السودان ومحيط البحر الأحمر ليس مجرد تفاعل أزمات منفصلة، بل عملية إعادة صياغة شاملة لمعادلات القوة. وفي قلب هذه العملية، يبرز التعاون المصري– السعودي– الإرتري كأحد أهم الفاعلين الساعين إلى منع الانزلاق نحو الفوضى، وصياغة نظام إقليمي أكثر توازناً، تُكتب معادلاته بالفعل والتنسيق العملي، لا بالتصريحات العابرة أو التدخلات الظرفية المؤقتة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء