بحيرة تقتل وتحنط ضحاياها.. سر أخطر مسطح مائي في تنزانيا
في شمال تنزانيا، تتوهج بحيرة ناترون بلون أحمر قانٍ يمكن رؤيته من آلاف الأقدام فوق سطح الأرض، في مشهد يخطف الأنظار ويثير الدهشة، إلا أن هذا الجمال الآسر يخفي وراءه حقيقة مخيفة جعلت من ناترون واحدة من أكثر البحيرات غرابة وخطورة على كوكب الأرض.
ولادة بحيرة قاتلة
تعود نشأة بحيرة ناترون إلى نحو 1.5 مليون سنة، حين شهدت المنطقة نشاطًا بركانيًا وتكتونيًا عنيفًا أعاد تشكيل تضاريسها بالكامل، وأسهمت هذه التحركات الجيولوجية في تكوين جبل أولدوينيو لينغاي البركاني الواقع جنوب البحيرة، والذي يعرف لدى قبائل الماساي باسم “جبل الله”.

وقد ترك هذا النشاط البركاني بصمته القاتلة في مياه البحيرة، إذ تتدفق إليها كميات كبيرة من كربونات الصوديوم وبيكربونات الكالسيوم من التلال المحيطة والينابيع الساخنة تحت سطحها.
مياه حارقة لا مفر منها في بحيرة تنزانيا
تصنف بحيرة ناترون كبحيرة نهائية، أي أنها لا تصب في أي نهر أو بحر، وتعتمد في تغذيتها على أنهار صغيرة وينابيع حارة، ومع ارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف، تصل حرارة مياهها الضحلة إلى نحو 41 درجة مئوية، لتصبح بيئة قاسية لا تحتملها معظم الكائنات الحية.
التحجر.. نهاية مرعبة
لفتت البحيرة أنظار العالم عام 2013 عندما نشر المصور نيك براندت في كتابه “عبر الأرض المدمرة” صورا صادمة لحيوانات وطيور متحجرة على ضفافها، بدت كتماثيل حجرية مجمدة في أوضاعها الطبيعية.
وأوضح براندت أنه عثر على هذه الكائنات دون أن يعرف بدقة كيف انتهت إلى هذا المصير.
تفسير علمي للظاهرة الغامضة
يرجع العلماء هذه الظاهرة إلى القلوية الشديدة لمياه البحيرة، إذ يصل الرقم الهيدروجيني فيها إلى 10.5، وهو مستوى كفيل بحرق أعين الحيوانات وأنسجتها، كما تعمل كربونات الصوديوم المذابة في المياه كمادة تحنيط طبيعية، تمتص الدهون والرطوبة من الأجساد، فتمنع تحللها، في عملية تشبه ما استخدمه المصريون القدماء في تحنيط موتاهم.

حياة تنبض وسط الموت
وعلى الرغم من طبيعتها القاتلة، تحتضن بحيرة ناترون أشكالًا فريدة من الحياة، إذ تزدهر فيها كائنات محبة للملوحة مثل البكتيريا الزرقاء والهالوآركيا، التي تمنح المياه لونها الأحمر المميز.
وتعد البحيرة ملاذا آمنا لتكاثر طيور الفلامنغو الصغيرة، التي تتغذى على هذه الطحالب، مستفيدة من عزلة المكان عن المفترسات.
لوحة طبيعية نادرة
خلال موسم التكاثر، تتحول البحيرة إلى مشهد استثنائي، حيث تتوافد ملايين طيور الفلامنغو الوردية لتغطي سطح المياه الحمراء بأمواج وردية متحركة، وفي المناطق المحيطة، تعيش حيوانات وطيور أخرى مثل النسور والحمام والبجع والنعام، إلى جانب الحيوانات البرية التي تجد ملاذها في المستنقعات والمناطق الأقل ملوحة، لتبقى ناترون مكانا يجمع بين الموت والحياة في مشهد لا يتكرر.

