17 مليار دولار تضع خطة «الدين» في مأزق.. هل تناقض الحكومة نفسها؟
بينما تسعى الحكومة في الآونة الأخيرة بشكل حثيث لتسريع وتيرة خفض الدين العام لمستويات قياسية جديدة، انتهت وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي توقيع عدد من الاتفاقيات التمويلية مع مؤسسات دولية كبرى، بالتزامن مع استلام شريحة جديدة من تمويلات الاتحاد الأوروبي بقيمة مليار يرور الخميس الماضي، لتفتح المجال أمام العديد من التساؤلات حول كيفية تحقيق التوازن بين الحصول على التمويلات التنموية والسيطرة على أزمة الدين.
خريطة التمويلات التنموية
وفي هذا الصدد، كشف تقرير رسمي اطلع عليه “إيجبتك”، خريطة التمويلات التنموية التي حصلت عليها مصر منذ عام 2020 وحتى تاريخه في 2025 البالغة 17 مليار دولار، والتي تعكس تنوعًا واسعًا في شركاء التنمية الدوليين وتزايد الاعتماد على التمويل التنموي الموجه لدعم القطاع الخاص، في إطار جهود الدولة لتعزيز النمو الاقتصادي المستدام وتحقيق أهداف التنمية الشاملة.
وتظهر البيانات أن التمويلات التنموية أصبحت أحد المحركات الرئيسية لدعم الاستثمار، خاصة في القطاعات الإنتاجية والمؤسسات المالية والطاقة، مع تحول ملحوظ في توجه شركاء التنمية نحو تمكين القطاع الخاص باعتباره ركيزة أساسية للنمو وتوليد فرص العمل.
المؤسسات الأوروبية في الصدارة
وبحسب خريطة توزيع التمويل التنموي حسب شركاء التنمية خلال الفترة من 2020 وحتى 2025، تصدر البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية قائمة الشركاء بحصة بلغت 22% من إجمالي التمويلات، تلاه بنك الاستثمار الأوروبي بنسبة 21%، وجاءت مؤسسة التمويل الدولية IFC في المرتبة الثالثة بنسبة 19%، ما شملت الخريطة صندوق أوبك للتنمية بنسبة 8%، وبنك التنمية الأفريقي وبنك اليابان للتعاون الدولي ومؤسسة الاستثمار الدولي البريطانية والوكالة الفرنسية للتنمية بنسبة 3% لكل منها، إلى جانب البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية بنسبة 2%، فيما استحوذ شركاء تنمية آخرون على 16% من إجمالي التمويلات.
أبرز القطاعات المستفيدة
أما عن أبرز القطاعات المستفيدة، استحوذ قطاع البنوك والمؤسسات المالية على النصيب الأكبر من التمويل التنموي بنسبة 41.4%، يليه قطاع الطاقة بنسبة 25%، في ضوء التوسع في مشروعات الطاقة المتجددة والتحول الأخضر، كما حصلت الخدمات اللوجستية على 8.1%، والصناعات التحويلية على 4.9%، بينما توزعت باقي التمويلات على الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بنسبة 1.8%، والرعاية الصحية بنسبة 1.5%، والسياحة بنسبة 0.4%، إلى جانب قطاعات أخرى بنسبة 16.6%، بما يعكس اتساع نطاق التدخلات التنموية وتكاملها.
البنوك تستحوذ على النصيب الأكبر
وفيما يتعلق بتوزيع التمويل التنموي الموجه للمؤسسات المالية حسب نوع المؤسسة، استحوذت البنوك على نحو 83.8% من إجمالي التمويلات، تلتها صناديق الاستثمار الخاص بنسبة 9.9%، ثم رأس المال المخاطر بنسبة 2.1%، والتكنولوجيا المالية بنسبة 1.5%، إلى جانب مؤسسات التمويل متناهي الصغر بنسبة 0.9%، وأدوات أخرى بنسبة 1.5%.
وشهدت محفظة التمويل التنموي الموجه للقطاع الخاص نموًا لافتًا خلال السنوات الأخيرة، حيث تجاوزت 4.2 مليار دولار في عام 2024، متفوقة لأول مرة على التمويل التنموي الموجه للقطاع الحكومي، وخلال الفترة من يناير 2025 وحتى تاريخه، بلغ حجم التمويل الموجه للقطاع الخاص نحو 2.8 مليار دولار، بينما وصل إجمالي التمويلات المقدمة لتحفيز استثمارات القطاع الخاص منذ 2020 وحتى الآن إلى نحو 17 مليار دولار، من خلال أكثر من 30 شريك تنمية، ما يعكس تنامي الثقة الدولية في مناخ الاستثمار المصري.
تمويلات أوروبية تتجاوز 8 مليارات دولار
وتشير البيانات إلى أن التمويل التنموي الموجه للقطاع الخاص من الدول والمؤسسات الأوروبية بلغ نحو 8 مليارات دولار منذ 2020 وحتى 2025، مستحوذًا على 51% من إجمالي التمويلات، في ضوء ترفيع العلاقات الاقتصادية بين مصر والاتحاد الأوروبي إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية في مارس 2024.
وفي هذا السياق، أعلن الاتحاد الأوروبي عن حزمة مالية بقيمة 7.4 مليار يورو، تضمنت تمويلات ميسرة لإصلاحات هيكلية ضمن آلية مساندة الاقتصاد الكلي ودعم الموازنة، وضمانات استثمارية للقطاع الخاص بقيمة 1.8 مليار يورو، ومنح بقيمة 600 مليون يورو موجهة لقطاعات ذات أولوية مثل الطاقة والنقل والتعليم الفني.
هل تتناقض التمويلات مع خفض الدين؟
وفي تصريحات خاصة لـ«إيجبتك»، أجاب الدكتور علي الإدريسي، الخبير الاقتصادي، عن التساؤلات الخاصة بحقيقة تناقض التوجه الحكومي لخفض الدين مع التوسع في الحصول علي التمويلات التنموية في الوقت نفسه، إذ أوضح أن التمويلات التنموية تتميز بأسعار فائدة منخفضة للغاية تتراوح بين 2% و3%، مقارنة بأسعار السوق الدولية التي قد تصل إلى 5% أو 7%، فضلًا عن آجال السداد الطويلة التي قد تمتد من 30 إلى 50 عامًا، وهو ما يمنح الدول مساحة أوسع للتنفيذ.
وأشار الخبير الاقتصادي إلي أن التمويل التنموي يختلف عن القروض التقليدية في كونه أداة تمويل طويلة الأجل تستهدف دعم مشروعات وبرامج ذات أثر اقتصادي واجتماعي مباشر، وليس مجرد توفير سيولة لسد فجوات تمويلية قصيرة الأجل، فالتمويل التنموي غالبًا ما يقدم عبر مؤسسات دولية وبنوك تنمية بشروط ميسرة تشمل أسعار فائدة منخفضة، وفترات سماح ممتدة، وآجال سداد طويلة، إلى جانب تقديم دعم فني ومؤسسي يساهم في رفع كفاءة التنفيذ وتحقيق الاستدامة.
وأضاف أن «السم في العسل» يكمن في مشروطية هذه القروض، موضحًا أن التمويل يكون موجهًا لمشروعات وبرامج تنموية محددة، وهو ما قد يخلق تعارضًا أحيانًا إذا لم تتماشى هذه المشروعات مع الأولويات الوطنية أو لم تكن ذات جدوى اقتصادية في التوقيت الحالي، مؤكدًا أن القضية ليست في استخسار القرض أو قيمته المنخفضة، بل في دراسة الجدوى الاقتصادية بدقة، محذرًا من اللجوء إلى الاقتراض لتمويل مشروعات غير مجدية أو لا تحقق عائدًا حقيقيًا، أو استخدام القروض لسداد ديون قائمة فقط، وهو ما يؤدي إلى تأجيل الأزمة وليس حلها.
وشدد الإدريسي على أن التوقف الكامل عن الاقتراض أمر غير واقعي، موضحًا أن جميع دول العالم تلجأ للتمويل، لكن الأهم هو ترتيب الأولويات، وحصر الاقتراض في أضيق الحدود، وتوجيهه لمشروعات تنموية ذات أثر اقتصادي واضح وقادرة على توليد عائد مستدام.