استشاري نفسي يكشف العلاقة بين المضادات الحيوية والاكتئاب واضطراب التركيز
قال الدكتور كريم درويش، استشاري الطب النفسي، إن آليات عمل المضادات الحيوية تختلف بشكل كبير من نوع إلى آخر، وهو ما ينعكس على طبيعة تأثيراتها الجانبية، حيث إن الدراسات العلمية، منذ عام 2010، أثبتت بما لا يدع مجالًا للشك وجود ترابط واضح بين استخدام بعض المضادات الحيوية وارتفاع معدلات القلق والاكتئاب والتوتر، بل وصول الأمر في بعض الحالات إلى نوبات هلع واضطرابات نفسية أكثر حدة، مشيرًا إلى أن التركيز التقليدي كان منصباً على الآثار الجسدية المعروفة للمضادات الحيوية، في حين تم تجاهل أو التقليل من شأن الآثار الجانبية النفسية، مثل القلق والتوتر والاكتئاب، وأحيانًا أعراض ذهانية أو اضطرابات في التفكير والسلوك.
الحلقة المفقودة في فهم التأثير النفسي
وأضاف درويش، خلال مداخلة على شاشة النيل للأخبار، أن أحد أهم التفسيرات العلمية لهذه الظاهرة يرتبط بما يُعرف بالميكروبيوم المعوي، أي البكتيريا الصديقة الموجودة داخل الأمعاء، فهذه البكتيريا تلعب دورًا أساسيًا في التفاعل مع الطعام وإنتاج مواد كيميائية حيوية تؤثر بشكل مباشر على المخ، من بينها الناقلات العصبية مثل السيروتونين، الدوبامين، الجابا، والجلوتاميت، مضيفًا أن تناول المضادات الحيوية يؤدي إلى اضطراب التوازن الطبيعي لهذه البكتيريا، ما يغير من وظائفها وقدرتها على إنتاج هذه الناقلات العصبية، وهو ما ينعكس سلبًا على الحالة المزاجية والوظائف العقلية لدى الإنسان.
وأوضح استشاري الطب النفسي، أن توقف أو انخفاض إنتاج الناقلات العصبية نتيجة اضطراب الميكروبيوم يؤدي إلى تأثر مباشر في وظائف المخ، مثل التحكم في القلق، وتنظيم المزاج، والقدرة على التركيز، مؤكدًا أن هذا التأثير قد يحدث بشكل مباشر أو غير مباشر، لكنه في كل الأحوال يفسر سبب ظهور أعراض نفسية لدى بعض الأشخاص بعد استخدام المضادات الحيوية، وهذا ليس المسار الوحيد للتأثير، فهناك آليات أخرى لا تقل أهمية، كشفت عنها الأبحاث الحديثة في هذا المجال.
تعطيل إنتاج البروتين وتأثيره
ولفت الدكتور كريم درويش، إلى أن بعض المضادات الحيوية تعمل من خلال وقف إنتاج البروتين داخل البكتيريا، إلا أن هذا التأثير قد يمتد أحيانًا إلى خلايا الإنسان، وفي حال تأثر إنتاج البروتين داخل المخ، فقد ينعكس ذلك على الذاكرة والانتباه والتركيز، باعتبار أن هذه الوظائف تعتمد بشكل أساسي على تكوين البروتينات العصبية، مشيرًا إلى أن الأمر لا يقتصر فقط على القلق والاكتئاب، بل يمتد إلى أعراض تبدو أقل حدة ظاهريًا، لكنها مؤثرة، مثل ضعف التركيز وتراجع القدرة على التذكر.
وأشار إلى أن التجارب على الفئران أظهرت سلوكيات شبيهة بالقلق بعد استخدام المضادات الحيوية، وهذه النتائج تُعد مؤشرًا علميًا مهمًا، لكنها ليست الدليل الوحيد، إذ تم دعمها بدراسات أخرى شملت ما يُعرف بالدراسات ما قبل الإكلينيكية، وأيضًا دراسات رصدية على البشر، موضحًا أن القيود الأخلاقية والطبية تحد من إجراء تجارب مباشرة موسعة على البشر، خوفًا من تقليل فعالية المضادات الحيوية أو زيادة مقاومة البكتيريا لها.
ارتفاع معدلات القلق والاكتئاب
وأكد استشاري الطب النفسي، أن الباحثين لجأوا إلى ما يُعرف بـالدراسات البراغماتية، والتي تعتمد على تحليل السجلات الطبية لمرضى استخدموا المضادات الحيوية بشكل طبيعي وضروري، وقد أظهرت هذه الدراسات ارتفاعًا ملحوظًا في نسب الإصابة بـاضطراب القلق العام والاكتئاب بين مستخدمي المضادات الحيوية، بنسب إحصائية دالة لا يمكن تفسيرها بالصدفة، وهذه النتائج عززت القناعة العلمية بوجود علاقة حقيقية بين المضادات الحيوية وبعض الاضطرابات النفسية الشائعة.
وتابع الدكتور كريم درويش، أن اضطراب إنتاج هذه الناقلات، نتيجة خلل الميككروبيوم المعوي الذي يضم ما يقرب من 1000 فصيل بكتيري، يؤدي إلى خلل عام في التوازن الكيميائي للمخ، وهو ما يفسر ظهور الأعراض النفسية بدرجات متفاوتة لدى بعض مستخدمي المضادات الحيوية.

