رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

لم تعد السياسة الخارجية تُصاغ حصريًا داخل القاعات المغلقة أو عبر البيانات الرسمية. ما نراه اليوم، خاصة في الحالة المصرية، هو استخدام محسوب لكافة الأدوات الدبلوماسية، حيث لم يعد رجل الأعمال على هامش المشهد، بل أصبح جزءًا من آلية الحركة الخارجية للدولة.

لقاءات وزير الخارجية المصري مع رجال الأعمال لا يمكن قراءتها بوصفها بروتوكولًا زائدًا أو مجاملات اقتصادية. هي مؤشر واضح على إدراك متقدم لطبيعة النظام الدولي الحالي، الذي لم يعد يعترف بالفصل الصارم بين السياسة والاقتصاد. في هذا العالم، تتحرك الدول القوية عبر شبكات المصالح، لا عبر الخطاب وحده.

التواجد اليوم على الساحة الدولية لم يعد يُقاس فقط بما تملكه الدولة من أدوات ضغط سياسية أو عسكرية، بل بقدرتها على خلق حضور اقتصادي فعلي، يربط مصالح الآخرين باستقرارها واستمرار دورها. فحين تدخل الاستثمارات المصرية إلى أسواق خارجية، خاصة في أفريقيا، فإنها لا تُعبّر فقط عن نشاط اقتصادي، بل تُنتج أثرًا سياسيًا مباشرًا: علاقات أكثر توازنًا، قنوات تواصل دائمة، ومصالح مشتركة يصعب تجاوزها أو تجاهلها.

من هنا، يصبح رجل الأعمال دبلوماسيًا بلا حقيبة. لا يتحدث باسم الدولة، لكنه يعمل داخل إطار رؤيتها. لا يوقّع اتفاقيات سياسية، لكنه يخلق واقعًا يجعل هذه الاتفاقيات ممكنة ومستدامة. هذا التحول لا يعني تراجع دور الدولة، بل على العكس، يعكس دولة أكثر وعيًا بأدواتها، وأكثر قدرة على توظيف الفاعلين غير الرسميين لصالح توجهاتها الخارجية.

ما تقوم به الخارجية المصرية في هذا السياق هو إدارة السياسة الخارجية خارج القوالب التقليدية، دون أن تتخلى عن مركزية الدولة. التنسيق مع القطاع الخاص هنا ليس بديلًا عن الدبلوماسية، بل امتدادًا لها. السياسة لا تُدار فقط عبر السفراء، بل أيضًا عبر المستثمرين، والمشروعات، وسلاسل التوريد، وحركة رأس المال.

هذا النمط من التحرك يطرح سؤالًا مشروعًا: هل نحن أمام نموذج جديد للدبلوماسية؟ الإجابة تميل إلى نعم، لكن بشرط. نحن أمام دبلوماسية لا تنفصل فيها الدولة عن القرار، بل تُدار عبر توازن دقيق بين المصلحة الوطنية وآليات الاقتصاد.

كامرأة عربية تتابع هذا التحول، أرى أن ما يميّزه فعلًا هو غياب الاستعراض. لا خطابات كثيرة ولا وعود رنّانة، بل تحرّك محسوب يفهم أن العالم لا يُدار بالشعارات، بل بالمصالح. الدول التي تعرف طريقها اليوم هي تلك التي تتحرك بهدوء، وتبني نفوذها خطوة خطوة، وتستخدم الأدوات المتاحة لها دون ضجيج. مصر، في هذا الإطار، لا تغيّر ما تقوله للعالم، لكنها تغيّر الطريقة التي تتحرك بها داخله.

المغزى الأهم أن السياسة الخارجية لم تعد مجرد سفارات وتصريحات، ولا علاقة شكلية بين دول، بل أصبحت إدارة يومية لمكانة الدولة وسط منافسة دولية شرسة. الحضور الحقيقي لم يعد مرتبطًا بالألقاب أو بالمناصب، بل بالقدرة على التأثير الفعلي على الأرض. وفي هذا الواقع الجديد، قد لا يحمل بعض الفاعلين صفة دبلوماسية رسمية، لكنهم يؤدون دورًا حقيقيًا في تثبيت النفوذ وصناعة العلاقات، بما يخدم الدولة لا خارجها.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء