وساطة أمريكا لحل أزمة سد النهضة.. مراوغة سياسية أم مبادرة حقيقية؟| خاص
حالة من الجدل أثارها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بعد إعلانه مساء أمس الجمعة، الوساطة من أجل حل الخلافات القائمة بين مصر وإثوبيا والسودان، حول أزمة سد النهضة، وتباينت الآراء حول الدور الذي يمكن أن تلعبه واشنطن في هذه القضية خاصة بعد اكتمال السد الإثيوبي.
أكد رامي زهدي خبير الشؤون الإفريقية، أن الإعلان الصادر عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن رغبته في التدخل في حل أزمة سد النهضة لا يمكن قراءته بمعزل عن السياقين، السياق السياسي الأمريكي الداخلي، والسياق الجيوسياسي الإقليمي المتعلق بإعادة ترتيب النفوذ في القرن الإفريقي وحوض النيل.
وقال في تصريحات خاصة لـ"إيجبتك"، إنه من الناحية الموضوعية، الولايات المتحدة ليست طرفا فنيا قادرا على تقديم حلول هندسية أو قانونية جديدة لم تُطرح من قبل، يعني كل ملفات السد باتت معروفة، وكل السيناريوهات التفاوضية تم استهلاكها تقريبا، سواء عبر الاتحاد الإفريقي أو الرعاية الأمريكية السابقة أو مسارات التفاوض الثلاثي.
وأشار إلى أن الجديد المحتمل أن يقدمه الرئيس الأمريكي لا يكمن في الحل، بل في أدوات الضغط، والتي ممكن أن تكون عبر الضغط الاقتصادي على إثيوبيا، سواء عبر المؤسسات المالية الدولية أو أدوات المساعدات، أو الضغط السياسي والدبلوماسي لإعادة إثيوبيا إلى مسار تفاوضي مُلزم أو طرح تسوية سياسية كبرى تربط ملف السد بملفات إقليمية أخرى في القرن الإفريقي.
ويعقتد خبير الشؤون الإفريقية أنه يمكن استخدام أي من هذه الأدوات أو مزيج منها أو كلها مجتمعة؛ لكن أيضا هذه الأدوات، تاريخيا، لم تستخدم بجدية كافية عندما تعارضت مع حسابات واشنطن الاستراتيجية الأوسع في إفريقيا.
هل ترامب جاد أم يوظف الملف سياسيا؟
ويرى أن القراءة الواقعية تشير إلى أن ترامب يتعامل مع الملف من زاوية سياسية براغماتية أكثر منها استراتيجية مؤسسية، مشيرا إلى أن ترامب يدرك أن سد النهضة قضية شديدة الحساسية للمصريين، وأن مجرد التلويح بالتدخل الأمريكي يمنحه ورقة ضغط معنوية وسياسية على القاهرة، كما أن إثارة الملف تخدمه داخليا في تقديم نفسه كرئيس “صانع صفقات” قادر على حل نزاعات دولية معقدة.
وبحسب الباحث فإن الجدية الأمريكية أو دائما وفي كل الملفات انتقائية، إذا خدم التدخل مصالح أمريكية مباشرة أو تفاهمات أوسع مع مصر، فقد نشهد تحركا أما إذا تعارض مع حسابات النفوذ الأمريكي في إثيوبيا أو مع مصالح حلفاء واشنطن في القرن الإفريقي، فستظل التصريحات في إطار الضغط الكلامي.
هل ترامب يضغط على القاهرة في ملفات أخرى؟
وبسؤاله هل تغريدة ترامب حول سد النهضة محاولة للضغط على القاهرة في ملفات أخري يعتقد خبير الشؤون الإفريقية إن هذا الاحتمال قائم بقوة تاريخيا، كثيرا ما استخدمت واشنطن ملفات إقليمية حساسة كأوراق تفاوض غير مباشرة، وليس بالضرورة بهدف الحل النهائي، لافتا إلي أنه قد يكون التلويح بالتدخل في سد النهضة رسالة مزدوجة حيث طمأنة شكلية للرأي العام المصري، وضغط سياسي ناعم على الدولة المصرية في ملفات إقليمية أو استراتيجية أخرى، سواء تتعلق بالشرق الأوسط، أو الترتيبات الإقليمية، أو حتى علاقات مصر بقوى دولية منافسة للولايات المتحدة.
ويؤمن زهدي أن التدخل الأمريكي، إذا حدث، لن يكون بالضرورة تدخلا من أجل “حق مصر المائي” بقدر ما سيكون تدخلا لإدارة الأزمة وليس حلها، ولإعادة توظيفها داخل معادلات النفوذ الإقليمي، لافتا إلي أن مصر، من جانبها، تدرك ذلك جيدا، ولهذا تواصل التعاطي مع الملف باعتباره قضية أمن قومي غير قابلة للمساومة، وتُبقي خياراتها مفتوحة بين المسار الدبلوماسي، والتحرك القانوني، وبناء شبكات نفوذ أوسع في إفريقيا، بعيدا عن الرهان الكامل على أي وسيط دولي، مهما كان وزنه.
وختم خبير الشئون الإفريقية تصريحاته بالقول: “تصريحات ترامب مهمة جدا سياسيا، لكنها ليست تحولا استراتيچيا حاسما في مسار أزمة سد النهضة، ما لم تقترن بإرادة أمريكية حقيقية لاستخدام أدوات ضغط فعلية، وهو أمر لا تزال مؤشراته ضعيفة حتى الآن”.