يحيى حقي.. رائد الرواية المصرية المظلوم الذي قل تقديره|خاص
في ذكرى ميلاد الكاتب المصري يحيى حقي، نستحضر إرثا أدبيا وثقافيا فريدا، يجمع بين الرؤية الإنسانية الدقيقة والتفاعل العميق مع الحياة اليومية للمصريين، ورغم مساهماته الهائلة، فقد تعرض يحيى حقي للظلم الأدبي، إذ اقتصر التركيز غالبًا على رواية واحدة فقط، «قنديل أم هاشم»، بينما أعماله الأخرى التي تعكس عمق رؤيته النقدية والاجتماعية تُغفل كثيرًا.
يحيى حقي لم يكن مجرد كاتب، بل كان مراقبًا للواقع المصري، جامعًا بين الأدب والدبلوماسية، ومؤسسًا لنهج ثقافي مؤسسي أحدث نقلة نوعية في إدارة الثقافة والفنون الشعبية بمصر.
وفي هذا السياق.. أكد الشاعر شعبان يوسف أن يحيى حقي منذ صدور رواياته الأولى، وعلى رأسها «قنديل أم هاشم» عام 1944، وضع علامة فارقة في الثقافة السردية، وأرسى أسلوبًا خاصًا به قائمًا على الملاحظة الدقيقة للبيئة الشعبية، والتفاعل العميق مع الحياة اليومية للمصريين، لا سيما في أحياء مثل السيدة زينب ومصر القديمة.
وأشار يوسف في تصريحات خاصة لـ«إيجبتك» إلى أن يحيى حقي لم يكن كاتبًا منعزلًا في مكتبه، بل كان مرتبطًا بالواقع، ومهتمًا بمتابعة الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية في مصر، مما جعله قادرًا على تصوير الشخصيات والأماكن بطريقة حية تعكس الروح المصرية الأصيلة، من دون تكلف أو ازدواجية في التعبير.
جمع بين الأدب والعمل الدبلوماسي
وأضاف يوسف أن يحيى حقي لم يقتصر على العمل الأدبي فحسب، بل جمع بين الأدب والعمل الدبلوماسي، حيث عمل في السلك الدبلوماسي المصري وزار دولًا عدة، بينها ليبيا وتركيا والسعودية، ومع حلول خمسينيات القرن الماضي اعتزل العمل السياسي ليتفرغ للثقافة، سواء بالكتابة أو بالإدارة الثقافية، مؤكدًا أن هذه المرحلة كانت حاسمة في تطور مشروعه الأدبي والمؤسسي على حد سواء.
كما أشار إلى أن صدور مجموعة «دماء وطين» عام 1955 كان علامة بارزة في مسيرة يحيى حقي، تلتها أعمال مهمة كثيرة ساهمت في إثراء الثقافة المصرية، إلا أنه أشار إلى أن صعود القصة القصيرة مع يوسف إدريس ربما قلل من حظوظ حقي في الحصول على الضوء الأدبي في تلك المرحلة، لافتًا إلى أن لو لم يظهر كتاب الشباب في ذلك الوقت، لكان تأثير حقي الأدبي أكثر وضوحًا وانتشارًا.
وأكد يوسف أن يحيى حقي كان شخصية مؤسسية بامتياز، فقد تولى رئاسة مصلحة الفنون، واستطاع أن يضخ دماء جديدة في الثقافة الشعبية، مستثمرًا عددًا من الأسماء البارزة مثل نجيب محفوظ وزكريا الحجاوي وزكي طليمات وحسين فوزي، في تطوير العمل المؤسسي الثقافي، مؤكدًا أن هذه التجربة كانت غير مسبوقة في مصر، وأحدثت نقلة نوعية في إدارة الثقافة والفنون الشعبية.
تعرض يحيى حقي للظلم
من جانبه، أكد الدكتور صلاح معاطي أن الكاتب يحيى حقي تعرض للظلم الأدبي، إذ جرى اختزال عمله في عمل واحد فقط، إذ اقتصر التركيز غالبًا على رواية «قنديل أم هاشم»، وكأنها تمثل مشروعه الأدبي كاملًا، بينما في الواقع هي مجرد مدخل مبكر إلى عالمه الإبداعي، ولا تعكس تنوع أساليبه الأدبية أو عمق رؤيته النقدية والإنسانية.
وأضاف معاطي في تصريحات خاصة لموقع «إيجبتك»، أن هذا الاختزال حرم القراء من الاطلاع على أعماله المهمة الأخرى، مثل «البوسطجي» الذي يقدم نقدًا اجتماعيًا قاسيًا بلا خطابية، و«دماء وطين» الذي يعكس وعيه الاجتماعي والطبي، إلى جانب مقالاته النقدية والفكرية الرصينة، ولغته التجريبية الدقيقة في القصة القصيرة.
وأشار معاطي إلى أن المناهج التعليمية غالبًا تبحث عن نصوص واضحة المعالم، قابلة للاختزال في درس واحد، بينما عالم يحيى حقي أوسع وأكثر رحابة، قائم على الأسئلة وليس الإجابات، وهذا لا يتناسب مع منطق المناهج الأكاديمية.
وأوضح أن يحيى حقي لم يكن ثوريًا خطابياً، ولا كاتب شعارات، ولا صاحب موقف سياسي صارخ، في زمن كانت فيه السرديات الكبرى والبطولات الفكرية والاستقطابات الحادة هي المسيطرة، وأضاف أن صوت حقي الهادئ كان أقل جاذبية للسطح الإعلامي والمناهجي، ما صعّب تصنيفه، في حين تميل المناهج إلى الأسماء سهلة التصنيف.